ما يُستفاد مِنَ الغُربَة

حُمى الوطْن، وهَذيان الغُربة



للغربة عديد من الأشكال؛ غربة الأهل، الوطن و الروح.

قابلت العديد من المغتربين عن أوطانهم لغرض الدراسة في الكلية، لكنهم لا ينطبق عليهم المعنى الحرفي لمعنى مغترب عن الوطن والأهل، فقد جاؤوا للدراسة في البلد الأم وتركوا أهلهم في البلد المستضيف، وقد كانوا سعداء بعودتهم لديار الوطن الذى حكى عنه أبائهم وامهاتهم منذ الصغر، بكل القصص التي عاشوها والمحن التي قاسوها والتي جعلتهم يقصدوا بلداً أخر، ليبدأوا في حياة بتجاربهم الخاصة في ظل عائلتهم التي ستنتج عنها قصصاً أخرى لأطفالهم المستقبليين.

أخرون من مدن، قرى، بلداتُ صغيرةٍ أخرى، ويعودون في الأجازات لتمضية وقت أصيل مع الأهل، و يعاني أولاء من صدمة ثقافية بسيطة في بداية الأمر، لكنها تنقشع شيئاً فشيئأ مع الأيام.

أما عني أنا، فلا أعرف في أي صنف أنتمي، الأهل والوطن؟ فأنا هجين من إثنين، صنفين مختلفين من العادات والتقاليد، وكلا جهة منهما في قارة مختلفة، مع ذلك فأنا لم أعش مع أياً منهما، بل تربيت في وطن أخر ثالث يختلف في وصفه العديد من الناس.

عندما أتيت لمصر منذ أربع أعوام، وطن والدي والذي يصر الجميع أنه وطني، لم أشعر بإغتراب الأهل والوطن فقط، بل بغربة الروح، قد يصفها البعض بالصدمة الثقافية التي نتجت عن تربيتي في الخليج، لكنها ليست كذلك، غربة الروح مختلفة، كإني عدت بالزمن للوراء وعشت مع أناس مختلفين كلياً عني، وحتى المتشابيهن فيهم متشابيهين حد الإختلاف !

لم أجد غربة الوطن لأفتقدها، فبالأصل كلاً من والداي مغتربين، ولا يمكنك إفتقاد شيئاً ما لك تكن تعرفه، فالعديد من مظاهر الوطن لم أعشها.

وعدتني والدتي الشامية التي عاشت أيام دراستها الجامعية في مصر تاركةً اهلها و وطنها بالخلف بحثاً عن حياة مختلفة ومستقبل أجمل، أن الغربة هي التي ستعلمني ما يكفيني لأجل أن انضال في الحياة بكل شجاعة، أن الغربة بالرغم من مرارتها بالحلق إلا انها ستترك ذكريات مذهبة الإطار ستُعلق في العقل للأبد، وستصنع أمتن الصدقات التي ستدوم دهوراً، أخبرتني أني سأتعلم أي نوع من البشر أنا، في ظل لا رقيب علي ولا عتيد غير الله، ومن هنا وُجد مصطلح أن الغربة كانت في أن أستيقظ صباحاً دون أن تشم رائحة خُبز والدتك، أو دون قهوة والدك.

لكنها لم تخبرني أشيئاء عديدة في الواقع، لا أعلم اذ كان غايتها أن تحميني من حقائق مخيفة أم أن كلانا قد عاش على ذات الأرض في أزمنة مختلفة فقط ؟

لكني أكتب لأخبرها أني صنعت دروسي الخاصة التي تعلمتها وربما فقط ربما أخبرها لإبنتي في يوم :

1) ليست أرض ملتقى الأختلافات، وتقبل الثقافات

أصعب الحقائق التي تعلمتها، أن كونك مختلفاً هو ما يميزك عن غيرك، وأن تحمل خلفية ثقافية مختلفة عن الغير، إذ يجب أن تتعود على العادات و التقاليد لتندمج في المحيط حولك لئلا تكون الفضائي الغريب الذي ينظر للأرضيين بإستعجاب.

نعمة ولعنة في ذات الوقت، وما أبشع أن تعيش مختلفاً و مميزاً و وحيداً وكأنك الكائن الأغرب.

2) لهجتي مضحكة

عندما تسقط سهواً بعض العبارات المختلفة من فاهي، تأتيني ردود الفعل المختلفة، فعندما أقوم بالعد على الطريقة الشامية ينتاب الجميع نوبة بالضحك عن لفظ (إثناعش) وليس (إتناشر).

أما بالجامعة فتجدها الفتيات تهديداً لأحبائها من الصبيان خشيةً من لعنات لكنتي المختلفة!

أما لبعض الأساتذة المساعدين فهي سبباً للحوار بعد انتهاء وقت المحاضرة لمعرفة أصل تلك اللكنة وإذا كان أصلها مغربي أو سواحيلي !

3) فرص غير متاحة

أكثر مما يتعجب منه الجميع هو أني تركت البلد التي عشت فيها ثمانية عشر عاماً وجئت هنا لغرض الدراسة والعمل ومنها للإستقرار، في ظل كل ما يحلم به الجميع هو العكس!

4) الإكتئاب المثير للشفقة

لا أحد يعرف المعنى الحقيقي أو الصورة البشعة التي يتركها الإكتئاب في ذهن المغترب، كالنظر في المرآة وعدم التعرف على ملامح وجهك، أكثر ما يسبب لي الإكتئاب هو خوفي من أن أفقد معالم روحي في خضم الحياة هنا، ان تطعن روحي من كثرة الصدمات التي أجدها بالأخرين، سواءً نتيجة أختلاف الثقافة أو غيرها من الأسباب التي يجب علي الإعتياد عليها لكوني هنا، لأندمج ولا أضطر لأبرر سلوكي!

بينما ينظر الجميع على أن اكتئابي ناتج عن وحدتي لتأتي التذكيرات الواهية بأنهم هنا لأجلي!

لدي العديد من لأكتبه، لكن أهم ما أريد أن اتذكره هو أن الغربة والمعيشة بمفردك ليست بالسذاجة التي يصفها البعض بأنهم عرفوا معنى ثقل حقائب المشتروات أثناء صعودهم على السلم، أو النوم على صوت التلفاز خوفاً من بعبع الوحدة. الغربة معنى في غاية العمق على كل من يعيشه ان يحاول ان يجده بنفسه، أن يكتشف نفسه بها و يتدرب على الأعتياد عليها، فهي ليست مرحلة وستنتهي يوماً، أو هكذا أظن !