إرسملهم طريق السعادة

ليست السعادة كائنا ماديا، ليست لذة حيوانية، ليست شهوة بهيمية جسمانية، ليست السعادة في جمال النساء، ليست السعادة في الملابس البراقة .



استوقفنى مشهد من فيلم لعبة الست للراحل نجيب الريحاني، إخراج ولي الدين سامح إنتاج عام 1946 .
يظهر في المشهد الأول نجيب الريحاني ينظر إلى يافطة بجوار بوابة كتب عليها “الدخول مباح للجميع” و تعلو هذه البوابة
يافطة أخرى تشير إلى وجود محاضرة بالمكان بعنوان “البحث عن السعادة” .

عندما يدخل إلى القاعة، يدور المشهد التالي:-

المُحاضر “في لهجة خطابية”: يظن الكثير من الأغنياء أن السعادة في جمع المال، يا للسخف المركب و يا للجهل المبين، ليست السعادة كائناً مادياً، ليست لذة حيوانية، ليست شهوة بهيمية جسمانية، ليست السعادة في جمال النساء، ليست السعادة في الملابس البراقة .

أحد الحضور “المتأنقين”: مظبوط .

المُحاضر “مستأنفاً خطبته”: ليست السعادة في المآكل الشهية .

أحد الحضور “و هو يتناول الطعام من طبق في يده” : أي و الله ده كلام حلو .

نجيب الريحاني “مستهزئاً”: آآآه، حلو أوي .

المُحاضر “مستأنفاً مرة أخري خطبته” : أتريدون أن أدلكم أين هي السعادة ؟ السعادة أيها الإخوان في الإخلاص في التضحية في إنكار الذات، السعادة في الوفاء .

الجمهور “بتصفيق حاد”: برافو ، برافو .

نجيب الريحاني: ده كلام فارغ .

الجمهور: اخرس، إنت مالك إنت .

نجيب الريحاني: مالي إزاي ؟!! ما هو إنتو مش حاسين بحاجة، واكلين و شبعانين، أنا راجل مليان وفاء مليان إخلاص و تضحية و غلب أزلي، قاعد عاطل جعان مش لاقي لقمة، وروني جزار يديني حتة لحمة، يديني حتة عضمة و ياخد تمنها وفاء .

الجمهور : اطلع، اخرج بره، اخرج بره .

نجيب الريحاني : طالع طالع طالع، اتفضل كمل حضرتك، ارسم لهم طريق السعادة، ههه ، وفاء .. وفاء .

يوضح لنا هذا المشهد سخط نجيب الريحاني الشخص المُعدم على كلام المُحاضر الذى يحاول زرع مفهوم السعادة -من وجهة نظره- للحضور المستمتعين بكلامه، فقد سخط نجيب الريحانى لأن المحُاضر لا يقدم له يد العون، و لا يحل له مشكلة، فقد كان المحُاضر لنجيب مثل طبيب عظام يداوى مريض قلب، لا يداوى له مرض لأنه “ليس من اختصاصه”.

أعتقد انه لا يوجد فرق بين المحُاضر و بين مدربين التنمية البشرية فى هذه الايام، المفهوم ثابت ولا يتغير و لكن الوضع ازداد سؤاً و أصبح الأمر سخيفاً للغاية؛ عندما يصبح أى شخص مدرب تنمية بشرية بعد اتمام دورة تدريبية مكونة من عدة محاضرات او عندما يفشل شخص فى مجاله و يصبح مدرب تنمية بشرية و ينظم محاضرة بعنوان “كيف تكون رائداً فى مجالك”، اليس هذا سخيفاً! .

تنفق من المال ما تنفق فى محاضرته حتى يقنعك بأن “الحياة حلوة” و ان المال ليس كل شئ، تنميه ماديا لكى ينميك بشريا، يحدثوك دائما عن المثالية و يتغاضون عن كوننا بشر، هل يتناسون ان البشر غير مثاليين ام انهم يفعلون ذالك من باب الحث على النجاح ؟ ام لأجل المال ؟!!.

لا يوجد شئ مثالى فى هذه الحياة لا الأشخاص الناجحين ولا ناطحات السحاب ولا السفن العملاقة، حتى فى ابسط الأشياء لا تتواجد المثالية، على سبيل المثال فى لعبة الضومنة تنتهى اللعبة عند 101 نقطة و فى لعبة الطاولة تنتهى عند 31 نقطة، اين هى المثالية فى ارقام مثل هذه؟ .

من الجيد ان نتحلى بالفضيلة والأخلاق الحميدة كما قال المحُاضر فى المشهد ولكن لا يمكن ان تقتصر سعادتنا على هذا فقط، نحن بشر و لنا حوائج من مأكل و مشرب و ملبس و غيرهم و سد هذه الحوائج غالبا ما يجلب السعادة،  عندما تظمأ لمدة طويلة ثم تجد الماء هذه سعادة، عندما تمتلك سيارة فارهة بعد امتلاكك لدراجة هذه سعادة, عندما تكون فى عالم كل شئ فيه بثمن فكثرة المال تجلب السعادة.

السعادة بوجة عام شئ نسبي يختلف من شخص الى اخر منهم من تكمن سعادته فى ثروته و منهم من تكمن فى تقربه الى الله و منهم من تكمن فى راحته النفسية … الخ.

نحن لا نستوطن اليوتوبيا حتي تكمن سعادتنا فى الفضيلة و الأخلاق الحميدة، تذكروا دائما اننا بشر و اننا لسنا مثاليين .