خواطر حول التعليم- الجزء الأول

أكبر خدعة أوهمك إياها النظام هي أنك تستطيع أن "تلم المادة في ليلتين و تجيب تقدير كمان" و بهذا تصبح أفضل من المعلم الذي يشرح المادة في خلال 15 أسبوع تقريباً.



“الدكتور بيشرح المنهج في 15 أسبوع، و أنا بلم المنهج في ليلة، يبقى مين فينا الدكتور؟؟”

أكبر أخطاء النظام التعليمي في كل أنحاء العالم هو إعطاء صورة مغلوطة عن مفهوم التعلم من حيث كينونته.

التعلم في الأساس ليس إلا عملية تراكمية بطيئة، الهدف منها هو اكتساب بعض المهارات و المعرفة، و لا يتم اكتساب كليهما سريعا، بل العكس تماماً، لابد من المذاكرة و التدريب خلال فترة مناسبة حتى تتمكن منها تماماً.

أكبر خدعة أوهمك إياها النظام هي أنك تستطيع أن “تلم المادة في ليلتين و تجيب تقدير كمان” و بهذا تصبح أفضل من المعلم الذي يشرح المادة في خلال 15 أسبوع تقريباً.

– المعادلة سهلة في الواقع: التعلم = وقت + معلومات + تدريب.

بفقدان إحدى هذه العناصر يفقد التعلم قيمته و يصبح لا شيء على الحقيقة، المعلومات و التدريب بديهيان، فماذا عن الوقت؟؟

الوقت ليس هو إجمالي الوقت الذي تقضيه في التعلم ككل و لكن كم ستخصص -يوميا أو أسبوعيا- لتتعلم، بمعنى آخر 15ساعة مقطعة أكبر بكثير من 30ساعة متصلة، أن تقضي أسبوعياً على مدار 15 أسبوعاً ما يعادل 20 دقيقة يومياً في عملية التعلم، أفضل وأنجح من أربعة أيام مذاكرة قبل الإمتحان حتى لو عشرة ساعات في اليوم (حتى لو كانا نفس المدة تقريباً).

-للتوضيح أكثر دعني أضرب مثالاً، لنفترض أن عملية التعلم هي الحفر على الصخر باستخدام الماء، و كل ما لديك من ماء هو عشرة أمتار مكعبة محفوظة في خزان واحد، فماذا ستفعل؟؟

-إذا قمت بفتح الخزان مرة واحدة و سكبت كل ما فيه من ماء على الصخرة كل ما ستفعله أنها ستنظف سطح الصخر، و هذا ما لا نريده بالتأكيد.

أما إذا قمت بعمل ثقب ضئيل في الخزان وظيفته هو أن يخرج المياة نقطة وراء أخرى فبالتأكيد سيسبب هذا ثقباً في الصخرة و هو الهدف المنشود.

كذلك التعلم ليس الهدف منه أن تحرز أعلى الدرجات(تسكب المياه مرة واحدة على الصخرة)، بل الهدف هو اكتساب مهارات و معلومات تراكمية(الحفر في الصخر)، و لا يتم اكتساب مهارة قبل الأخرى و لا معلومة قبل أوانها.

-إذن إذا كنت تظن أنك تستطيع أن تنجح في مادة دراسية في يومٍ أو بعض يوم، فهذا هو الغباء بعينه و كذلك إذا ظننت أنك تفوقت على معلمك فهذه هي الغفلة، لأنه لم يخسر شيئاً في الحقيقة بل أنت هو الخاسر الأكبر.

– في الحقيقة تأثير هذا الفهم الخاطئ لا يقتصر للأسف على المرحلة التعليمية فقط، بل يمتد -وهذا الأخطر- على كل حياتك بعد ذلك, تريد تعلم لغة جديدة مثلاً ستجد نفسك تلقائياً تميل إلى نظام مذاكرة ليلة الامتحان، أريد أن أتقن اللغة في ثلاثة شهور أو ستة أو غير ذلك من الترهات التي برمجتَ عقلك عليها، ما سيحدث معلوم بالضرورة: ستبدأ متحمسا و ربما تدرس ست ساعات في أول أسبوع و عندما لا تجد نتيجة ستتوقف تلقائياً لأنك بالتأكيد “مستني تذاكر ورقتين و تخش تجيب تقدير و تخرج”  بعد التوقف ستنتظر سنة أخرى ثم تبدأ متحمساً لمدة أسبوع و تتوقف لسنة أخرى و هكذا تمر السنون في اللاشيء، وكل هذا بسبب مفهوم خاطيء تم بناؤه في عقلك اللاوعي و لا تستطيع التخلص منه.

في النهاية يجب أن تعلم أن اكتساب المهارات الحياتية للأسف لا يتم بمذاكرة ليلة امتحان و لا يوجد فيه درجة نجاح و “مش هتلم المنهج في يوم يبقي أنت أشطر من الدكتور”.