المقهى روح واحدة تجمع أشلاء ساكنيها

مكان يجمع بين الكبير والصغير، العاطل والعامل، المتزوج والأعزب، مكان يمتلئ بالأفكار المتزاحمة والهموم.



بعد يوم شاق من البحث عن عمل، ذهب عصام إلى المقهى كعادته ليكمل ما تبقى من يومه مع أصدقائه، فها هو يوم آخر قد انتهى بفشل آخر في البحث عن وظيفة، مع العلم أنه قد تخرج من سبع سنوات وقد أتم الثلاثين عاماً ولكنه لازال يبحث عن عمل، على الرغم أنه قد عمل في كثير من الوظائف ولكن خارج نطاق تخصصه، وأيضاً لم يكن هناك دخل مغري يدفعه للاستمرار، حتى أصبح في كل يوم يذهب إلى المقهى ليجلس وحيداً أو برفقة أصدقائه حتى لا ينفجر من الداخل.

هذه هي حياة الشاب المصري، فالمقهى يعتبر ثالث الأماكن المقدسة بعد المسجد والكنيسة بالنسبة إليهم، يلتقون ببعضهم البعض ويتذكرون ما مضى في حياتهم ويفكرون فيما ينتظرهم، ويتذكرون الدراسة وأيامها ويضحكون عليها وهو ما يظهر عليهم من الخارج، ولكن منهم من يبكي من الداخل وآخرون يتحسرون على ما فاتهم وما فوتوه على أنفسهم، وبعد جلسة تذكر الآلام هذه يذهب كل منهم إلى بيته استعداداً ليوم آخر بائس يذهبون في آخره -كالعادة- إلى المقهى ليخرجوا كل ما في داخلهم وتدور الحياة وتختلف الأيام وهم كما هم لا جديد.

وصل عصام إلى المقهى ووقف أمامه وظل ينظر له بنظرات يملؤها الكثير من الاشتياق ومعها بعض العتاب وبآخرها سخرية ويقول (وحشتني)، بقدر كرهه لهذا المقهى يعشقه، يعشق كل تفاصيله، فهو ذو طراز قديم، يسبح في سماءه نغمات وأصوات لها تراث ووقع خاص على نفسه، فدائماً ما يسمع فيه لأم كلثوم وعبد الحليم وغيرهم من مطربي الزمن الجميل.
ثم تذكر أنه قضى على لفائف التبغ خاصته فذهب إلى دكان (عم رجب) ليبتاع من عنده علبة من لفائف التبغ، أعطاه عم رجب التبغ قبل أن يطلبه، فأثنى على ذكاءه، فرد عليه بأن هذه عادته منذ زمن وأن العلبة قد زاد ثمنها ثلاث جنيهات، انفعل عصام بسبب هذا الخبر فلعنه ولعن التبغ ولعن البلد، ثم تابع طريقه إلى المقهى.

في خارج المقهى توجد منضدة دائماً ما يجلس عليها (عم إبراهيم)، فيلقي عليه السلام فلا يرد كالعادة، فعم إبراهيم رجل كبير في السن لا يعمل منذ فترة، وكل يوم يأتي إلى المقهى ومعه جريدة اليوم يقرأها حتى يحل عليه الليل ثم يذهب إلى منزله الذي يقع في آخر الزقاق الذي يوجد فيه هذا المقهى، وهكذا يعيش كل يوم في حياته.

عم إبراهيم تصوير (حسام حسن)

في خارج المقهى توجد منضدة دائماً ما يجلس عليها (عم إبراهيم)، فيلقي عليه السلام فلا يرد كالعادة، فعم إبراهيم رجل كبير في السن لا يعمل منذ فترة، وكل يوم يأتي إلى المقهى ومعه جريدة اليوم يقرأها حتى يحل عليه الليل ثم يذهب إلى منزله الذي يقع في آخر الزقاق الذي يوجد فيه هذا المقهى، وهكذا يعيش كل يوم في حياته.

يكمل عصام طريقه إلى المنضدة الخاصة به، يجلس ثم ينادي على (عبدو القهوجي)، رحب به عبدو كالعادة ثم سأله أن يحضر القهوة الخاصة به، وافقه عصام الرأي بإمائةٍ منه ثم أخذ نفساً عميقاً، استعجب عصام لأن (المعلم بيومي) لم يلقي عليه التحية كعادته، فنظر إليه ووجده شارد الذهن مشتت النظر، تيقن عصام في هذه اللحظة أن الدنيا ضاقت بهذه البلد، لأن المعروف عن المعلم أنه رجل قوي يتحمل الشدائد ولا يظهر عليه مظاهر الألم.

 

المعلم بيومي تصوير (حسام حسن)

خطفه عبدو من شروده في الحال، عندما وضع القهوة على المنضدة التي يجلس بها، شكره عصام وترك المعلم في شأنه ثم أخرج هاتفه، وطلب أصدقائه ليعلمهم أنه منتظرهم على المقهى، ولكنه يعلم أن من بين جميع من اتصل بهم سيأتي اثنان فقط، فلكل مشاغله، فهناك من أصبح لديه أسرة يعتني بها، ومن يعود من عمله الشاق وقد تم استنفاذ كل طاقته فلا يستطيع المجيء، فبعد أن كانت القهوة تمتلئ بعدد كبير من هؤلاء الشباب، لم يتبقى إلا ثلاثة فقط هو واثنين من أصدقائه، أخرج علبة التبغ من جيبه وفتحها وأخرج أحد اللفائف وأشعلها ليحرقها مع القهوة منتظراً بها أصدقائه، فالتبغ مع القهوه سحرٌ خاص لا يشعر به إلا من جربه.

جاء أصدقائه مع إشعاله اللفافة الخامسة من التبغ، ألقوا التحية بحرارة على بعضهم، فطلبوا من عبدو المشروب الرسمي لهم (القهوة السادة)، وطلب عصام ورق الدومينو ليقتلوا وقتهم باللعب.

 

ورق الدمنيو تصوير (حسام حسن)

مرت ساعات من اللعب، وفي لحظة سقط عصام في بحر من الذكريات تتقاذفه الأمواج من هنا إلى هناك، تذكره لسبع سنوات خسر فيها كل شيء، تذكره لأيام الجامعة وكيف كان يستهتر بها ولا يأبه لها، وكيف أن حبيبته تركته بعد خمس سنوات بائت بالكثير من الوعود الزائفة، وعدد المرات التي لا تحصى التي تم رفضه للحصول على أي وظيفة فيها، ومرض أمه الذي يكسر ظهره أكثر فأكثر، وعلى الرغم من ذلك فإنه يتعايش ويحمد الله ويرضى بقضاءه.

خرج من هذا البحر بصعوبة، لا يعلم إن كانت الأمواج هي من قذفته للخارج لكي لا يلوث الذكريات الجميلة بتذكره للأسوء دائماً، أم صوت أصدقاءه هو من انتشله من هذا البحر الذي لا رحمة فيه، عاد إلى أرض الواقع يكمل قتله للساعات، ولكنه سأل نفسه: “أحقاً هو من يقتل الوقت أم الوقت هو من يغرس خنجره في قلبه؟”

ظل هكذا لساعات حتى حل الليل وذهب (عم إبراهيم) إلى منزله، وودع كل منهم الآخر وذهب إلى طريقه، وذهب عصام إلى بيته ليستريح حتى يجهز نفسه إلى يوم أخر بائس من حياته.

 

تغير أماكن الأوراق علي شكل دوائر أخذته لدوامات ذكرياته تصوير (حسام حسن)

هذا هو المقهى ياصديقي، لا يجلس عليه سوى من يحمل الأسى، يرى فيه ملاذاً ومهرباً من كل شيء، يرى المقهى كأنه أمه وابنته وحبيبته وجامعته وكل شيء مقدس يمنحه اعتبار، يحتويه المقهى ويلملم له ما تبقى من روحه كي يكمل هذه الحياة، فالمقهى روح واحدة تجمع أشلاء ساكنيها.