صفعة على وجه أستاذ الرياضيات

يتقدم إلى أستاذ عبد الله مرة أخرى ليضربني, لكنّي أمسك العصا من يده و أصفعه على وجهه و أقول له: ألا تفهم يا أبله أني لم يُشرح لي هذا الدرس....



المكان: مدرسة فجر الإسلام الإبتدائية المشتركة, فصل رابعة تالت.

الزمان: 1998, الترم الأول, الحصة الأولى…..

الشتاء في أوجه, السماء غائمة و الأرض كلها مبتلة, اختلط الماء بالتراب ليشكلا طيناً, في وسط هذا الجو الكئيب الملبد بالغيوم كنت أشق طريقي لمدرستي, يدخل أستاذ عبد الله حاملا في يده بعض الأشياء  خاصته, لا أعلم ماهي; ربما كتاب أو كراسة تحضير أو حقيبته, لا أعلم بالطبع فكل ما يشد انتباهي و يشغل تفكيري هو كيف أتقي ضربات “الجلدة” التي في يده الأخرى وأن تمر حصته دون أن تنال جلدته المرهبة من يدي التي تكاد أن تتجمد من شدة البرودة.

يبدأ بكتابة مسأله على السبورة, دعوت الله أن لا تكون المسألة قسمة مطولة, لا أعلم لمَ هذه السخافة؟ ألا يوجد في المنهج سوى هذا الموضوع؟ وما عساها أن تفيدني تلك القسمة اللعينة؟

أنا أستطيع أن أحسب حسابات القسمة في رأسي بدون أن أتبع هذه الخطوات السخيفة؟ لماذا يا إلهي تعاقبني على غيابي مرة واحدة فقط؟ هذه المرة الوحيدة التي تم شرح هذا الدرس فيها و لم أحضر.

لا زلت أتذكر هذا اليوم الذي استيقظت فيه مبكراً لكني كرهت الذهاب إلى المدرسة, فادعيت المرض ووافقت أمي أخيراً أن لا أذهب, وعندما تحركت الحافلة و اعتذرت أمي للسائق أني مريض و لن أتمكن من الذهاب اليوم, قفزت بعدها و ظللت ألعب طوال اليوم.

هل حقاً ذنب صغير كهذا يستحق كل هذا العقاب؟!

“طلع الكراسة و القلم الرصاص و حل المسألة اللي على السبورة بسرعة”

قالها المعلم بصوت أجش فقطع تفكري في ذنبي الذي اقترفته من ستة أسابيع خلت, وكأنه كان يسمع ما يدور في رأسي, يا لحظي البائس إنها القسمة المطولة!!

جرت رعدة في جسدي, لا شك أن جلدته ستنال مني اليوم.

كما جرت العادة, حجاج, عمرو, هشام, هبة…., أي شخص داخل الفصل يستطيع أن يحل المسألة سواي, يتقدمون واحداً تلو الآخر بالكراسة لتصحيحها, و أنا أتقهقر داخل “الدكة” التي أجلس عليها, و أتقوقع داخل نفسي, كل ما أفعله أني ممسكٌ بالقلم, أتظاهر بالحل كي لا يسألني هذا الوحش أين حلُك؟

أحاول نقل المسألة و لا أتمكن, لطالما كنت فاشلاً حتى في الغش, لمَ لا يمر الوقت؟ هل نحن في أحد الثقوب السوداء؟ أم الزمن في هذه الحصة يمر بنصف سرعته؟, أحس أن الساعة تمر كأنها يوماً, لماذا تمر حصة الأستاذ صالح مدرس الدين سريعاً؟

“فين حلك يا بني أنت”

مرة أخرى يقطع حبل أفكاري, لا أدري ماذا أفعل, أريه الهراء الذي كتبته, أم أبسط يدي لجلدته باستسلام وخنوع.

“افتح ايدك”, يقولها غير مبالٍ.

أتصبب عرقاً في هذ البرد الشديد, لكن يدي تكاد تتجمد, و هو في طريقه إلي أحكُّ كلتا اليدين سريعاً, وأنفخ فيهما, أتحايل بكل الطرق لتخفيف وطأة الضربة, ونظرات الطلاب تلاحقني وفي عينيهم إثارة, كأنهم يشاهدون مجرم يُنَفَذُ فيه بالإعدام.

“افتح ايدك خلص مش هقعد طول اليوم معاك!!”

أفتحها آسفاً, تنزل الضربة على يدي كأنها قد قطعت, ضربة تلو الأخرى, يرن الجرس مؤذناً بانتهاء الحصة, أتنفس الصعداء, لا أعلم هل أفرح بانتهاء الحصة؟, أم أحزن لأنها ستكرر مرة أخرى غداً بنفس المأساة.

أسرح بخيالي قليلاً:

“يتقدم إلى أستاذ عبد الله مرة أخرى ليضربني, لكنّي أمسك العصا من يده و أصفعه على وجهه و أقول له: ألا تفهم يا أبله أني لم يُشرح لي هذا الدرس……”, يقطع خيالي دخول أستاذ الحصة القادمة, و هي حمداً لله حصة دراسات و أكمل ما تبقى لي من يوم دراسي.

ظننت أن جلدة الأستاذ هي نهاية العقاب, ولكن لا أعلم لمَ تكرر هذا الأمر في كل المراحل التعليمية بعد ذلك, يأتي أستاذ طارق حشاد فى الصف الثاني الإعدادي ليسألنا في القسمة المطولة اللعينة ذاتها, بالطبع يخبرنا في فخر و زهو:
“القسمة اللي درستوها في رابعة إبتدائي دي” و أنا لا أستطيع أن أخبره أني لم أحضر شرح هذا الدرس, و يتكرر الضرب, أدخل الثانوي و أتنفس الصعداء أخيرا أنه لن يسألني أحد في القسمة المطولة, أُصدَمُ بالأستاذ علي يخبرنا عن ” تلك القسمة المطولة التي درستموها في الابتدائي”, أيضا لا أستطيع أن أخبره بالكبيرة التي ارتكبها طفل في التاسعة بغيابه عن شرح حصة واحدة لعينة, يسأل فلا أجيب فيتم شتمي هذه المرة بدلا من الضرب لأني كبرت.

حمداً لله دخلتُ الجامعة, لن يحدِثَني أحدٌ عن شيءٍ درسته قبل ذلك, أدخل محاضرة لمادة التحكم الآلي, و هي من أهم المواد الهندسية على الإطلاق, يخبرنا د/مجدي عن تلك القسمة مرة أخرى, و يقول وهو غير مبال “القسمة المطولة اللي درستوها في الإبتدائية” .

هل أخبره عن تلك الكبيرة التي فعلتها و أنا صغير؟ هل سأفشي سراً أبقيته سنين عددا من أجل أن أخبره أني لم أحضر هذا الدرس اللعين, و يا للمصادفة كل من سبقوك لم يعيدوا الدرس, لأنهم فعلوا نفس الشيء الذي تفعله الآن, أفضل كتمان السر, أخرج متحسراً:

ليتني لم أخدع أمي في هذا اليوم, ربما وقتها كنت سأعرف سر الكون الأعظم “القسمة المطولة”.

في كل مرة كنت أسأل عن شيء في الرياضيات يتم إخباري بأنك درستها قبل ذلك, فكما درست القسمة في الابتدائي, فهناك العامل المشترك الأكبر, التحليل, حل المعادلات من الدرجة الثانية و الثالثة, الأعداد النسبية, الدوال, العلاقات المثلثية, النهايات, و أخيراً و ليس آخراً كيفية التفاضل أو التكامل بطرقهم المختلفة.

ناهيك عن أني حتى لو استطعت حل هذه المسائل فلا أفهمها أصلاً, يا ترى لم ضرب السالب في السالب يساوي موجب, ما معنى المالانهاية, لم قسمة أي شيء على صفر يصبح غير معرف, لم مضروب الصفر(factorial) يساوي واحد, ما معنى التفاضل أو التكامل, ما فائدة كل هذا؟ كل تصوري لتلك الألغاز كان حشوا أملأ به عقلي كي أسرده في ورقة الإجابة مع قليل من “التاتش” الذي هو من هواياتي فأنجح في المادة(بتفوق غالباً), ولم أكن أعلم علة تلك الألغاز الحقيقية.

المكان: أحد غرف المنزل.
الزمان: 2016, أحد ليالي الشتاء, وقت الامتحانات.

تدخل أختي الطالبة في السنة الأولى في الكلية لتسألني عن أحد مسائل الرياضيات, و بالطبع أخوها المهندس و المعيد في نفس الوقت لابد أن يجيب عن هذه المسألة التافهة, كيف يكون الأول على دفعته و لا يستطيع حل مسألة بهذه التفاهة؟.

أنظر إلى الكتاب لأرى المشكلة, فإذا بالصدمة الكبرى, يا رباه! إنها القسمة المطولة مجدداً لكن هذه المرة للمعادلات, لقد أصبحت لدي فوبيا تسمى فوبيا القسمة المطولة, ماذا أفعل؟ هل حان وقت كشف سري؟, أأُخبرها أني لم أحضر هذه الحصة و أنا طفل بسبب كذا و كذا؟ ألن تنشق الأرض و تبتلعني؟ ألن تنزل على صاعقة من السماء الآن لأكفر عن خطيئتي؟ هل غياب يوم عن المدرسة أعظم إثماً من القتل؟ أيقنت أنها خطيئة ستلاحقني طوال حياتي!!

ماذا أفعل؟ أنقذني يا الله, خطر ببالي أن أبحث على تلك الشبكة العنكبوتية المسماة بالإنترنت, كتبت على يوتيوب “long division of polynomials”, أول فيديو ظهر لي فتحته, كانت مدته عشر دقائق تقريباً, هل سأستطيع أن أفهم شيئاً تعثرت في فهمه ما يقرب من ثمان عشرة سنة؟

ثم حدثت المعجزة: لقد فهمتها تماماً, هل سيوقظني أحدٌ من الحلم؟ أم ربما هذه ليست القسمة المطولة؟, يا رباه!! هل يعقل أن الأمر بكل هذه السهولة؟ لا أصدق نفسي حقاً.

بعد أن شرحت لها القسمة المطولة, جلست لأبحث عن “أسرار الكون” بالنسبة لي, لماذا ضرب السالب في السالب يعطي موجب؟ ما معنى المالانهاية؟ لماذا مضروب الصفر يساوي الواحد؟ القسمة على الصفر, حتى معنى الانتروبيا في الديناميكا الحرارية فهمته أخيراً, بالإضافة لأشياء كثيرة جداً كان مجرد السؤال عنها من المحرمات.

شعرت أني فعلت شيئاً يوازي إثبات النظرية النسبية أو نظرية الجاذبية, مع أن كل ما تعلمته هي أمور مستقرة و ثابتة منذ عشرات بل مئات السنين, لكن الإحساس بذاتك و أنك فهمت شيئاً هو إنجاز عظيم حقاً.

وجدت عالَماً جديداً فيه الشرح غير الذي شُرَحُ لي في المدرسة أو الجامعة, عالمٌ حيث التعلم لأجل رفع الجهل و ليس لأجل بعص الامتحانات المملة و السخيفة في آنٍ واحد, تعرفت على أصل القوانين المعقدة التي كانت تشرح لي, عرفت فائدتها و أنها تستحق فعلاً تلك المعاناة لأجلها, أحببتها لأني عرفت ماهيتها أخيراً و ليس لأني أحفظها لأحل مسألةً ما, تعرفت على تاريخ هذه العلوم و كيف عانى الكثير من العلماء لإيصالها إلينا, منهم من فقد حياته و منهم من حُبس و منهم من تخلى عن حياته الشخصية لأجل العلم.

يا لمتعة التعلم بدون ضغوطات الدراسة, لا يوجد متعة تضاهي متعة التعلم قطعاً كما قال الشاعر:

سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي مِنْ وَصْلِ غَانِية ٍ وَطيبِ عِنَاقِ
وصريرُ أقلامي على صفحائها أحلى منَ الدَّكاءِ والعشاقِ
وتمايلي طرباً لحلِّ عويصة ٍ في الدَّرْسِ أَشْهَى مِنْ مُدَامَة ِ سَاقِ

“التعليم المدرسي سيجلب لك وظيفة, أما التعلم الذاتي سيجلب لك عقلاً”, ألبرت أينشتاين.

أخيراً أخرجت عقلي من تحت الركام الذي وضعته الدراسة النظامية فوقه, و بدأت في استعماله من جديد, شعرت وقتها أني عدت إلى الصف الرابع الابتدائي و قمت بصفع أستاذ الرياضيات و أخرجت لساني له و قلت: ” لقد تعلمت القسمة المطولة أيها الأبله”, هو و كل من علمني بنفس الطريقة الفاشلة.

اكتشفت بعد كل هذه السنوات أنه “ربما الخطأ الأكبر الذي فعلته في حياتي ليس أني غبت عن المدرسة يوماً أو بعض يوم, لكني أني ذهبت إليها كل هذه السنوات“.

في النهاية, المجد كل المجد لهؤلاء الذين وفروا لنا العلم بالمجان بكل الوسائل, و اللعنات المتتابعة لمن يظن أنه امتلك مقاليد العلم فلا يعطيك المعلومة إلا بعد أن تندم أشد الندم أنَّك سألته.