المعاناة بتتكلم مصري

انهارده وأنا مروح حسيت إن معاناة الشعب ده قررت تحكي عن نفسها ببطىء مميت.



طول عمري بكره أركب المترو، مش بس عشان بكره الزحمة أو الصوت العالي، و لا عشان كمية التطفل اللي عند الناس؛ بس دايماً ما كنتش قادر أستحمل كمية المعاناة اللي بشوفها في عيون الناس يومياً هناك، وانهارده وأنا مروح حسيت إن معاناة الشعب ده قررت تحكي عن نفسها ببطىء مميت.

-الموقف الأول-

راجل أكبر من والدي معاه موبايل سامسونج، فتح تطبيق الآلة الحاسبة وقالي: “هو أنا لو عاوز أجمع 52 زائد 52 أعمل أيه؟”
افتكرته بيهزر، بس طلع بيتكلم جد! فقلتله: “بتدوس على علامة الزائد يا حج”.
وبعد ما جرب بإيده قالي: “طب لو طرح؟!”
فقلتله وأنا بشاورله على العلامات: “بص دي جمع ودي طرح ودي ضرب ودي قسمة”
فرد بكسوف: “آه دي (X) (في) أنا عارفها بس إيه دي (÷)؟”
قلتله: “دي قسمة يا حج عكس الضرب”
قالي: “آه يعني بتجيب نص الـ52؟”
قلتله: “بس يا حج اللي انت كاتبها دي 25 مش 52”
قالي: “آه يعني بتجيب النص؟”
قلتله: “لأ على حسب اللي بتقسم عليه ممكن تقسم على 2 تجيب النص أو على 3 تجيب الثلث وهكذا”
لحظة صمت وأنا مش مصدق اللي بيحصل فقلتله: “لو تحب يا حج قولي وأنا أحسبلك اللي انت عاوزه”
بصلي في حزن عصر قلبي وقالي: “لأ خلاص يا بني”

-الموقف الثاني-

ست شايلة بنت على كتفها، البنت مش صغيرة ما تقلش مثلًا عن 15 سنة، تقريباً مش في وعيها كإنها لسا خارجة من عملية، الست اللي قاعدة جنبها كأم بتداري عنيها بالشال اللي لابساه عشان تمنع خيالها إنه يصورلها حد من ولادها في الموقف ده، المترو كله حزين ما حدش قادر يفتح بقه من هول الموقف، وقبل ما المترو يوصل للمحطة ويفتح أبوابه سألت: “هي دي الدمرداش؟ لأ يا حاجة الدمرداش اللي جاية”.
جت المحطة نزلت الست في نظرة ألم وإشفاق من كل الناس، وزوج الست اللي كانت قاعدة جنبها قعد جنب زوجته وطبطب عليها، عاوز يقولها ما تزعليش بس مش قادر ينطق، و هي بتبص في الأرض وبتقاوم الدمعة اللي بتلمع في عنيها.

-الموقف الثالث-

شاب ما يقلش عمره عن 25 سنة بيكلم صاحبه: “إنزل إفرح مع أهلك شوية بقالنا سنتين ما بنشوفهمش غير مرة كل أسبوعين” التاني بيبتسم في صمت، شوية ونام كإنه مقتول من كتر التعب والشقا.

-الموقف الرابع-

شاب شكله كويس، وللوهلة الأولى تفتكره رايح شغله زي أي حد، بس اتفاجئت إنه بيبيع كروت شحن! ومن كام يوم شفت بعيني بنت عمرها أقل من 11 سنة بتلف عربيات المترو وبتبيع كروت شحن، متخيلين وصلنا لإيه!

عيني بتهرب من المأساة اليومية لوحدها، فدايماً بسرح برا الخنقة وأبص ناحية الشباك أو حتى على الأرض، الشعب بيعاني، الناس دي مستحمله عيشة ما حدش يستحملها ساعة، وما حدش حاسس بيهم، الفقر داس على الناس، ولضعفهم في مواجهة حاكم ظالم وحكومة فاسدة بقوا بياكلوا في بعض، فكترت المشاكل وزادت البلطجة وانتشرت السرقة والتحرش وغيرها كتير من الجرايم اللي مالهاش حصر؛ وكل جريمة من دول سبقها ألف جريمة من الحاشية الإقطاعية اللي نهبت خير البلد.

حاسس بالخنقة، ماشي في شارع مفتوح ومش قادر آخد نفسي، وشيئ جواية بيصرخ: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته بتسعين مليون طعنة، اللهم العن كل من تسبب في مأساة هذا الشعب، اللهم العن كل ظالم على وجه الأرض”

وعلى قمة السلسلة دايماً هتلاقي أهل الطبقة المتوسطة، اللي أغلبهم عايشين بالعافية، وشعارهم اللي جاي على قد اللي رايح، من هنا بقى بيطلع الشباب اللي فاهم، الجيل اللي مدرك إن ده مش العادي أو الطبيعي زي ما الناس بتوهم نفسها، وإن برا سور السجن المصري الكبير في حياة، حياة آدمية بعيدة تماماً عن المعاناة دي.
ودايماً الطبقة دي بيخافوا جداً على ولادهم، لإنهم حرفياً أفنوا كل لحظة في عمرهم عشان زي ما بيقولوا “يربوهم أحسن تربية”، فتلاقيهم بيمنعوهم من الخروج للمظاهرات، ومليون اتصال وسؤال أنت فين وجاي إمتى؟ خليك بعيد يا ابني عن المشاكل إنت لو روحت مني هموت وراك.

وعلى الجانب التاني من المدينة، دايماً هتلاقي الناس الـ “واو”، الناس اللي واكلين البلد، اللي أغلبهم إن مكنش كلهم “حرامية”، اللي ربع اللي بتستهلكه أسرة منهم قادر إنه يكفي أكتر من 1000 واحد من اللي عايشين على الجانب الأولاني، جانب حاكم جانب، وناس فوق الناس.
ولما تيجي ذكرى اليوم اللي حس الشعب إنه انتزع فيه جزء من حقوقه اللي مانعها عنه الجانب التاني، لازم يتداس عليها بدل المرة ألف “هما هينسوا إحنا مين وهما مين!!”

وهتعدي الأيام وأغلب الشباب هيسيبوا العزبة لأهلها، لإنهم ببساطة مالهمش فيها مكان، والباقيين إما هيتحولوا لإرهابيين أو يرضوا بعيشة الذل والمهانة دي للأبد.

اللهم هجرة
اللهم هجرة
اللهم هجرة