الطالب الجامعي بين المعيد والدكتور

المفروض أن الدكتور دكتور والمعيد معيد بس الحقيقة إن في دكاترة معيدين وفي معيدين دكاترة والطلبة بين الإثنين تايهين



” أنت لم تعد أنت..!! عندما تحط قدميك على أعتاب الجامعة فقد أصبحت شخصاً جديداً بكل ما لهذه الكلمة من معنى؛ في هذه المرحلة تكون قد ودعت مرحلة طويلة من عمرك حيث التوهان والأحلام المتناثرة، واستقبلت عمراً جديداً وحياةً جديدة، اليوم أنت شخص جديد بمسئوليات جديدة وطموحات جديدة، ينتظر منك الجميع شيئاً جديداً”- ياسر بكار

المرحلة الجامعية لا ترتبط فقط بتلك التغييرات في أسلوب حياة الفرد واتجاهاته؛ بل يوازيها تغييرات كبيرة في فكره وعقله، فلم يعد كالأطفال يصدق أغلب ما يلقى عليه من معلومات؛ بل صار يتسائل “لماذا وكيف وأين ومتى” ، فقد قدر الله أن يرتبط البلوغ عند الإنسان بملكة الاقتناع التي تلزمه أن يشكك في كل معلومة تقابله ليختبر صحتها قبل أن يرتضيها عقله ويبني عليها مزيداً من الأفكار والنظريات.

وفي الحياة عموماً والمصرية منها خصوصاً، ستجد الأسهم ترمى ممن تعرف ومن لا تعرف محاولين قتل هذه الملكة العظيمة في كل شاب؛ فليس لك أن تفكر في الأساس، فما بالك بأن تفهم وتتوقف رافضاً الاقتناع ببعض ما سمعت، إنها لجريمة في حق هذا المجتمع العظيم!!

ومثل الجميع حولك ستتوهم في الجامعة وتظن أنها مجتمع لصفوة العقول من الطلبة والأساتذة المعيدين، وقطعاً الحاصلين على الدكتوراة هم أسمى عقول هذه الأمة، اعتكفوا على العلم خالصاً وجعلوه رسالةً لحياتهم، وأنك سوف تجد هنا ما بحثت عنه طوال حياتك و تتلقى العلم كما يجب أن يكون.

“إن البشر عادة ما يخدعون أنفسهم، فيشرحون المسألة وهم يعتقدون أنهم يقدمون الدليل عليها”- جاري ميلر

وهنا تحدث الصدمة الأكبر -أو على الأقل كانت كذلك لدي- نعم فالكثيرون هنا يقولون ما لا يعلمون؛ فقط يحفظون هذه ويؤمنون بأن هذا قانون قد وضعه عالم سماوي ولا يجوز السؤال من أين أتى أما هذه فلا يجوز التطرق لها هنا وإلا من رحم ربي، فهنا تتعلم كيف تحل هذه المسائل دون أن تفهم لماذا تحل بهذه الطريقة!!
أغلب الدكاترة لا يقومون بدورهم وكذلك الكثير من المعيدين، فلا هذا يعرف دوره ولا ذاك يحسن تطبيقه.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة، ما هو دور الدكتور وما هو دور المعيد؟ وهل هناك فرق أصلاً؟
إذا أمكن تقسيم الأدوار فإنه من المفترض أن يقتصر دور الدكتور الجامعي على أن يحل عقدة “لماذا وكيف”، فهو ليس ملزماً بأن يكثر من حل الأمثلة ويخبرك عن صيغة الامتحان، ولكنه مطالب بأن يوضح المفاهيم الفيزيائية والرياضية التي تتعلق بالموضوع، فمن أين أتى هذا القانون ولماذا يستخدم هنا وما هو المعنى الفيزيائي الذي يحمله في طياته، لماذا هذا التفسير صحيح ولم هذا الآخر غير مناسب، كيف تم التوصل لهذا الحل، وكم هو منطقي مرتبط بالواقع الذي نحياه؟!
ثم يأتي دور المعيد ليكمل ما بدأه الدكتور فيقوم بتلخيص هذه الأمور سريعاً ثم يكثر من الأمثلة والأسئلة المتنوعة التي تشبع الجانب التطبيقي الذي تستوجبه المادة، وربطها بالتجارب العملية المقررة لهذه المادة.

فهذا التكامل في الأدوار كفيل بالإجابة عن أغلب التساؤلات التي من المفترض أن تشغل عقلك، ويصل بك إلى درجة من الفهم العميق تحقق اتزاناً بين الجانبين النظري والعملي، وتقوي ملكة الاقتناع لديك وتشبعها بما يتناسب مع شغفك بهذه المادة، لتتكون لديك القدرة على الفهم من أي مصدر خارجي دون الحاجة لمساعدة، وتصل بك لدرجة رفيعة من التفكير العلمي وتبسيط أعقد الأمور العلمية لأقصى الحدود وربطها بحياتك اليومية.

ولكن ما يحدث واقعياً هو أقرب ما يكون للتعليم ما قبل الجامعي، الأسلوب المصري مازال مسيطراً؛ فقط عليك أن تعرف كيف تحل هذه المسائل، لتصب المعلومات صباً في رأسك ثم كراسة إجابتك، ولا يهتم لما هو قادم، لتدمر عقلك بالبطيء، صحيح أننا نقابل دكاترة ومعيدين يؤدون أدوارهم على أكمل وجه، بل يتخطى بعضهم هذا ليسد عجز الطرف الآخر ويتم الدورين معاً بكفاءة وتمكن، ولكنني لا أستطيع أن أتخطى أصابع اليد الواحدة عند عدهم.

“تذكر دائما أن وراء كل سلوك نية إيجابية”- إبراهيم الفقي

ولكن لا يمكننا أن نقول بأن جميع القائمين على العملية التعليمة يتعمدون ذلك؛ فالحقيقة أنهم لا يريدون بك إلا خيراً، وهذا الخير الذي ارتضاه مجتمعهم الذي يرى الدنيا بالدرجات وشهادات الحائط، إننا ببساطة أمام جيل تم إحباطه و برمجته ليدمر جيلاً آخر، وإن كان هذا دون وعي.

ولكنني لازلت مؤمناً أن الطالب هو محور العملية التعليمية بأكملها، وأنه قادر على تلافي تلك العيوب إن لم يكن داخل جامعته فسيكون خارجها، ولهذا حديث آخر.