ما بين الثورة والميدان

لا تنزل التحرير، التحرير فيه سمُ قاتل.



بعد مرور خمسة سنوات على ثورة الخامس والعشرين من يناير جلست أسترجع ذكريات السنوات الماضية من أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء وجمعة الغضب التي أوقفت فيها شركات المحمول الخدمة عن عملائها فراح ضحيتها الكثير، وأرى صور شهداء الأولتراس من الطرفين الأبيض والأحمر، أذكر أيضاً مجلس الشعب الذي كان بأغلبية من الإخوان والسلفيين، وصراع الرئاسة الذي تمنيت لو فاز به حمدين صباحي، والذي انتهى بالمنافسة بين الفريق شفيق الذي ينتمي للدولة القديمة وبين محمد مرسي بديلاً لخيرت الشاطر عن جماعة الإخوان المسلمين الذين باعوا المتظاهرين بصفقة مع الجيش لإخلاء الميدان من الثوار، حمدت الله أن حمدين لم ينجح وتمنيت سراً لو أنه لم ينجح أحد أبداً، فثورة يناير التي مات فيها مينا وبلال وقُتلت على أثرها شيماء لم نرى منها سوى المزيد من الفساد والكثير من الفوضى ولا يمكن للفوضى أن تكون هي نتاج ثورة أبداً، فالثورة تأتي للتنوير في المقام الأول، و هذا ما لم يحدث! لكن لماذا؟

احترت كثيراً للإجابة على هذا السؤال، ولكن بتدقيق النظر قليلاً رأيت ما أدعي أنه الإجابة، كيف يمكن لشعب لا يعرف الفرق بين الدين والمتدينين ولا عبد الناصر والديموقراطية أن يُمنح حقاً في الاختيار! لقد كان خطأً فادحاً أن ينزل المصرييون للتصويت على الدستور واختيار نواب مجلس الشعب ورئيس الجمهورية، كان يجب أن يتم توعية شعبنا بشكل كامل إلى كل المفاهيم التي صنع المجتمع والدولة منها فزاعة فنمقتها دون حتى أن نسأل عنها، كان على شعبنا أن ينتظر وينظر جيداً حتى يستطيع أن يُعمل عقله في كل ما مررنا به ولو قليلاً، فالعلمانية ليست تخلٍ عن الدين -لا سمح الله- ولا الشيوعيين كفار والليبراليين ليسوا دعاةً للماسونية، فكل هذا ما هو إلا وهم خلقه لنا نظام فاشٍ، فإذا ظهرت الحقيقة ندير رؤسنا الجهة الأخرى، لأنه من الصعب علينا أن نصدق أن الجيش ليس من حمى الثورة وأن الشرطة ليست في خدمة الشعب.

ليس من الصحيح أننا عشنا ثلاثين عاماً من الفساد بل عشنا خمسة آلاف سنة من الإجبار على الجهل واحتكار الموارد وعلى رأسها العلم، وإن كان هنالك من طريق لتصحيح تلك الأوضاع فهو التوعية.
التوعية بكل ما حدث وتم تشويهه حتى نستمر فى صمتنا، أذكر أنه كانت هناك واقعة تسمى “ماسبيرو” مات فيها الكثيرون، الأمر الذي استغربته جداً! لماذا تحارب الدولة بهذا القدر من أجل ماسبيرو وتترك السجون ليهرب المجرمون منها وأقسام الشرطة لتصبح خاوية والمحاكم ومقرات أمن الدولة بل والمتحف المصري أيضاً بلا حماية! ما الذي يخفيه ماسبيرو أشد قيمة من كل هذا؟… إنه الوعي.
تخيل معي لو أن الثوار استطاعوا السيطرة على ماسبيرو، فيخبرونك بكل ما يحدث حقيقةً في الميدان، من هو الخائن ومن هو الثائر، تتابع الحقيقة دون تشويهٍ أو تضليل، تعرف من هم في الميدان ومن تركوه وماذا يريد كل هؤلاء، تعرف الفرق بين الرأسمالية والاشتراكية، تختار نائبك في مجلس الشعب بأفكار حقيقية وليس ببرامج انتخابية وهمية.
ماسبيرو ليس فقط مبنى يتم البث منه، بل إنه طريق الدولة لزرع الأفكار -أياً كان نوعها- في عقل كل فردٍ ليستطيع النظام تطويعك بأفكاره التي تمنع عنك الوعي والذي بسببه -أعني الوعي- سُرقت ثورة الخامس والعشرون من يناير وتم الاعتداء عليها.

في بدء ثورة الخامس والعشرين من يناير لمع اسم طبيب غير الذي كانوا في المستشفى الميداني، طبيب لعب دوراً كبيراً في نشر الوعي وبسببه استطاع الكثيرين أن يروا حقيقةً لم يكونوا ليدركوها من دونه، طبيب اسمه “باسم يوسف”.
اختار باسم يوسف طريق الوعي مختلفاً في الاتجاه مع أولئك الذين اختاروا الميدان لأنه يعرف تماماً أن الميدان لن ينجح من دون وعي، فكان دوره قاتلاً للنظام، استطاع أن يجعل من حرية الإعلام سلاحاً للشعوب ليهتدوا به وهذا ما حدث فعلاً، بأكثر من أربعة ملايين متابع لبرنامجه كان على النظام أن يعلم بأن استمرار شيء يبث الحقيقة للعامة كهذا لن تكون نتيجته سوى العرى الكامل من جلباب حماية الثورة التي ارتداها الجيش من البداية.
و هنا اختفى باسم يوسف واختفت معه آخر ملامح الثورة، فلم يبق حتى الشخص الذي اختار نشر الوعي عن الميدان، وباختفاء باسم يوسف من على القنوات الفضائية ظهرت لنا قناة أخرى تابعة للنظام ولكن تلك المرة كانت مختلفة فهي قناة من نوع خاص … “قناة السويس الجديدة” التي بناها الجيش دون أن يسألنا أي مقابل وبالرغم من أنه بناها من أموال الشعب إلا أننا رددنا له ما يحسبه علينا جميلاً -مجبرين ولسنا مخيرين- بقرار من الرئيس السيسي بزيادة المعاشات العسكرية.

وأخيراً مع نزول القوات المسلحة إلى ميدان التحرير في الذكرى الخامسة لثورة الخامس والعشرين من يناير وبعد الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب -الذي اتخذَْ قراراً بعدم بث اجتماعاته- أرى أنه لا لوم إطلاقاً على من اختار النزول إلى ميدان التحرير أو على الذي اختار عدم النزول إلى أى ميدان متبعاً بذلك ما قاله سعد باشا زغلول … مفيش فايدة.