أل دين

كنت أظن أن الدين هؤلاء الذين يظهرون على التلفاز وفي المساجد، لكنني اكتشفت أنني كنت أتبع دينهم وليس ديني!



“بُلينا بقومٍ يظنون بأن الله لم يهد سواهم”، جملة قالها العالم المسلم ابن سيناء منذ ما يقرب من ألف عام واصفاً بها حال فقهاء الدين الذين عاصروه في ذلك الوقت، وبالرغم من أنه لم يمض على موت الرسول صلى الله عليه وسلم حينها سوى أربعمائة عام فقط، إلا أننا نستطيع أن نستنتج من تلك الكلمات وغيرها من شبيهاتها التي نقلها إلينا التاريخ وأخريات فُقدن في ثناياه أنه كان ولازال يوجد نوع من احتكار العلم الديني وتضارب كبير في فهم الدين أدى إلى الانشقاق في الرأي، وهو السبب الرئيسي لظهور ما يسمى بالمذاهب الأربعة وغيرها، تلك المذاهب التي نُقلت إلينا عبر التاريخ والتي اجتهد أصحابها في تأسيسها للتفسير والتيسير على العامة في فهم أصول الدين وتفريعاته.

ولكن إذا كانت المذاهب الأربعة قد أتت لتيسير فهم الدين فكيف حدث ذلك التضارب في تفسيرات الدين، ولماذا يختلف راي الإمام الشافعي عن رأي الإمام مالك –الذي كان الشافعي في الأصل تلميذاً له– ويختلف أيضاً مع رأي الإمام أحمد بن حنبل الذي عاصر الإمام الشافعي وتعلم منه؟
إذا دققت النظر قليلاً ستجد أنه لا تضارب قوي في معظم التفسيرات لكل أصحاب المذاهب، لأنهم يفسرون نصاً واحداً ولكن الاختلاف فقط في كيفية فهم النص (قرآن أو حديث)، النص واحد ولكن التفسيرات كثيرة، ولهذا صار على كل منا أن يسأل عن النص وعن كل تفسيراته، و هذا ما لا يحدث ولم يحدث أبداً منذ البداية، فإذا سألت عالم دين (وأنا هنا أتحدث عن الغالبية العامة وليس الكل) عن أي شيء ولنقل عن ماهية حجاب المرأة، فستجده مجيباً لك برد واحد لا ثان له، مثلاً بأن كل ما دون الوجه والكفين فهو عورة، مستنداً بذلك على حديث روته أسماء بنت أبي بكر وهو حديث ضعيف وعندما نقول حديث ضعيف فإننا لا نشكك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لكننا لسنا متأكدين من أنه قد نُقل إلينا بنفس نصه وبطريقةٍ صحيحة، وهنا أغلب ظننا في صحة الحديث من عدمه تعود على سند كل من نقلوا إلينا الحديث بدايةً من أسماء بنت أبي بكر إلى أبو داود راوي الحديث وحتى من نقلوا إلينا كتابته من بعده، فإذا أردنا أن نعرف عن حجاب المرأة مثلًا فسنجد أن فيه أقاويل كثيرة تعتمد في الأساس على الآية 31 في سورة النور والآية 59 في سورة الأحزاب، وتكثر التفاسير لتلك الآيات و تتباين بدايةً من أنه مباح للمرأة كشف الوجه والشعر والكفين عند الخروج وليس عند الصلاة إلى أشد الآراء والذي لا يسمح لها إلا بترك عين واحدة فقط للرؤية أو عينان حتى لا تصاب إحداهما بالحول، وجميع التفاسير مبنية على افتراضات عقلانية وعلى فهم لغوي للنص والمعنى، فالعقل يقول إذا أردت أن تعرف حكم الحجاب فلا تسأل من يعطي لك رأيه وحسب، ولكن اسأل عن النصوص والتفاسير ولا تخجل أن تجتهد فإن باب الاجتهاد ليس مقصوراً على أبو حنيفة والشافعي وغيرهم، وإنما هو مباح للناس كافة، واعمل ما يمليه عليك قلبك وتظن أنه الصواب -وإن كان ما تراه صواباً يعارض الناس أجمعين- فالله عز وجل سيسألك وحدك عن أفعالك ولن يحاسب غيرك عليها.

و بذكر باب الاجتهاد الديني نستطيع أن نذكر “إسلام البحيري” الذي حكم عليه مؤخرا بالسجن لمدة سنة بتهمة ازدراء الأديان والجدير بالذكر أن إسلام تمت تبرئته من نفس التهمة في قضية تم الحكم فيها بالبراءة في يونيو الماضي، عرض إسلام بحيري في برنامجه قضايا تخص الدين الإسلامي وأوضح فيها مصادره وأبان أنه يوجد تعارض فكري ومنطقي كبير ما بين كتب التراث -أي كتب علماء الدين بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم- وبين القرآن الكريم وأخَصْ بالذكر نصوصاً للبخاري وهو ما دفعه للانفعال أو بما تم وصفه بالتطاول على البخاري وبعض التابعين وعلى هذا الأساس تم الحكم عليه بالسجن.
يرى البعض أن إسلام البحيري ما هو إلا مجتهد في الدين مثله مثل كل المجتهدين الذين يصفون لنا الصورة الكاملة بدون حذف أو تشويه وإن كانت تلك الصورة لا تتماشى على ما اعتدنا عليه لكنها الحقيقة، ويرى البعض الآخر أنه متطاول على علماء الدين وبالتالي هو متطاول على الدين ويجب وقفه، وما بين الشدة واللين يرى الدكتور سعد الدين الهلالي أستاذ ورئيس قسم الفقه المقارن بالأزهر الشريف أن إسلام يطرح فكراً لابد له أن يُطرح وهو فكر التعددية في الآراء والذي يؤيده تماماً ويرى أن عدم وجوده هو ظلم للكثير من المسلمين ولكنه يختلف معه بشدة في طريقة عرضه لهذا الفكر الذي يرى أنه يمتاز بالتشدد والانفعال.

وما بين فتح باب الاجتهاد في الدين للكل أو تركه مقصوراً على جهة بعينها، أترك لك عزيزي القارئ الإجابة على هذا السؤال:

هل ترى أن ازدراء الأفكار عقوبة يجب أن يعاقب عليها القانون؟!