هكذا يُخلق المبدعون!

تعرف على أهم 7 مراحل لخلق وصناعة الإبداع!



“في ظاهرةٍ قلما شاهدناها أو سمعنا عن حدوثها في إحدى الجامعات المصرية فضلاً عن العربية، قامت د. إيمان محمد -الأستاذة بقسم هندسة الإلكترونيات وتكنولوجيا الاتصالات في الأكاديمية الحديثة للهندسة وعلوم التكنولوجيا والمسؤولة عن تدريس بعض مواد التخصص لطلبة المستوى الثاني والمستوى الثالث- بالمرور على كافة اللجان في يوم الأربعاء الموافق 20/1/2016، لا لأجل القيام بالدور الرقابي الاعتيادي كرئيسةٍ ومسؤولةٍ عن سلامة الأوضاع في إحدى اللجان، ولا لأجل التأكد من وضوح جميع أسئلة الامتحان للطلاب الممتحنين، وإنما كان مرورها من أجل توجيه رسالة شكرٍ ودعمٍ وتشجيع للطلاب الحاصلين على درجة الامتياز في إحدى مواد التخصص التي تقوم بتدريسها، ومكافئتهم بهذا الدبوس -الموجود في الصورة أدناه- كهديةٍ رمزيةٍ وتذكاريةٍ بسيطة تقديراً لمجهوداتهم طوال الفصل الدراسي”.

12511288_10156367702895328_581047969_o

نقطة… إلى هنا ينتهي الخبر الذي كنت مكلفاً بتحريره ونشره، ولكن ما أود الكتابة عنه حقاً لم يبدأ بعد، فهذا الموقف الإيجابي الذي أصبح غريباً على معظمنا لم يكن الأول بالنسبة لي، ولكنه ربما يكون الأول بالنسبة للكثيرين!
فقد أضحى الجميع بلا استثناء يعلم يقيناً دون الحاجة للاستعانة بأرقام الإحصاءات ومعايير التحكيم الدولية بأن العمليتين التربوية والتعليمية -وأخص بالاهتمام العملية الأولى- في بلادنا هما الأكثر سوءاً وفشلاً وتدنٍ على مستوى العالم، وأننا استطعنا تحطيم كل الأرقام القياسية في الجهل والتخلف والتأخر في كافة المجالات بلا استثناء، ومن ثم احتلال هذه المراكز الدنيا بكل جدارة واستحقاق وفي غضون نصف قرنٍ فقط!
في حين أن العديد من الدول التي كانت تستدعينا بالاسم لنشرف بأنفسنا على بناءها وتشييدها، وتستعين بعلمائنا لينهلوا من علومهم وخبراتهم لأجل مساعدة شعوبهم على النهوض من سبات جهلهم وإخراجهم على أول طريق النور، قد سبقتنا اليوم بعشرات بل بمئات الأميال، في مفارقةٍ تستحق الوقوف عليها ومراجعتها جيداً والتدقيق في أبسط أمورها لأهميتها العظيمة وحجم تأثيرها الضخم على الأجيال الحالية واللاحقة.

فبغض النظر عن الظروف البيئية والاقتصادية والسياسية المحيطة بكل دولةٍ وكل شعبٍ على حدة، نجد أن جميع الدول المتقدمة بلا استثناء، والتي قد تختلف في ملايينٍ من الأمور والتفاصيل التي لا طائل من ذكرها، قد اتفقت على شيءٍ واحد واضحٍ وجلي لنا، ألا وهو الاهتمام الكامل بخلقِ وصناعة المبدعين بشكل دائم ومتجدد.
وأقول خلق وصناعة الإبداع لأنه بالفعل يُخلق ويُصنَعُ على أيدي مربيين أكفاء، سواءً كان ذلك في المنزل أو في المدرسة أو في الجامعة أو في العمل، ولا يعطى أو يوهب لإنسانٍ دون غيره كالموهبة أو المكانة المرموقة أو الصفات النبيلة على سبيل المثال، وهذا يقودنا للبحث عن الأدوات التي يستخدمها المربيون لخلقِ وصناعة هؤلاء المبدعين، وهو الأمر الذي بقليلٍ من التركيز وتدقيق النظر نجده يتجلى ببساطة في تصرفٍ بسيط كالذي قامت به د. إيمان محمد مع طلابها، أو كالذي قام به أساتذة قسم هندسة العمارة في جامعة الإسكندرية حينما فاجئوا طلاب القسم بوليمةٍ واحتفالٍ كبيرٍ وسط اليوم الدراسي تعبيراً عن دعمهم لهم، وتخفيفاً عن المشقة التي يعاني منها الطلاب طوال العام.

وبالعودة فقط لأساسيات تربية الإنسان من دروس التاريخ، دون الاستعانة بأية إضافات أو ابتكارات حديثة العهد، نستطيع بكل سهولة تلخيصها في النقاط التالية:

1- الاحترام ثم الاحترام ثم الاحترام:

فهو أحد القيم النبيلة التي نادت بها جميع شعوب الأرض مجتمعةً من كافة الديانات والحضارات المختلفة عبر التاريخ، وهي الصفة التي تقاس بحسن تعامل الفرد مع الآخرين، وتتجلى باحترام الإنسان لكونه إنساناً وفقط، لا للونه أو جنسه أو مكانته أو منصبه أو وظيفته أو ثروته.
وهو الشيء الذي وبكل أسف قد فقدناه وافتقدناه مع مرور الزمن، فلا أصبح صغيرنا يحترم ويجل كبيرنا ولا أصبح كبيرنا يحن ويعطف على صغيرنا، فأضحينا في النهاية ما أصبحنا نشتكي منه ونذمه اليوم، ولو أننا عدنا لاحترام بعضنا البعض دون تمييزٍ أو شروط لتغيرت حياتنا وأزهرت ألوان زهورها بكل تأكيد.

2- الإصغاء الجيد ومعاملة كافة الأفكار باهتمام:

عادةً لا يحب معظم الناس من يشعرهم بالجهل أو يبرز انخفاض مستواهم مقارنةً به، خصوصاً وإن حاول المتحدث أن يظهر أو يتفاخر أمامهم بكونه العالم المُلِم بكل شيء، فالعالم الحقيقي هو أشد الناس تواضعاً وأكثرهم قدرةً على الإصغاء الجيد لكافة الأفكار والملحوظات والتفاصيل بنفس الاهتمام.
فإن الطريقة التي من المفترض أن ينظر إليك بها من حولك لا تقوم بالضرورة على أساس عمرك أو مستوى تعليمك أو حجم ثروة عائلتك أو نوع الأماكن التي تعلمت فيها أو طبيعة الوظيفة التي تعمل بها كما يعتقد ويؤمن بذلك البعض، فكافة البشر باختلاف أعمارهم وظروفهم وشخصياتهم وأنواعهم يستحقون أن تُعامل أفكارهم باهتمام، فالإبداع لا يعترف بسنٍ أو لونٍ أو جنسٍ وإنما يعترف فقط بمقدار الاهتمام الذي يعطى لصاحبه.

3- اشكر.. كافئ.. قدر من يستحق:

إن الناس مجبولون -مثلي ومثلك- على التلهف إلى الشكر والتقدير وحب المجاملة، وكل من يجد طريقةً لإشباع هذا التلهف لديهم يكسبهم بطبيعة الحال إلى جانبه، ومن الضروري أن نعرف كيف نغدق كلمات الشكر والتقدير في جميع المناسبات، لأن ذلك جزء من شكرنا لله تعالى، والناس يقطعون المعروف عمن لا يقدرهم بطبيعة الحال.
وهنا ملاحظة هامة، وهي أن كثيراً منا يرى أن من واجبه شكر الغرباء فقط، ويهمل شكر الأقرباء عندما يسدي هؤلاء إليه معروفاً، فقلّما يشكر الزوج زوجته على خدماتها، وقلّما يشكر الأب أولاده ويكافئهم على أعمالهم، وقلّما يشكر الأولاد آباءهم وأمهاتهم على معروفهم، في الوقت الذي لابد أن نضع القاعدة الذهبية التالية نصب أعيننا دائماً: “الأقربون أولى بالمعروف”.

4- اعتذر إن أخطأت:

نعم، فقط وبهذه البساطة، اعتذر إن أخطأت حتى وإن كان من أخطأت في حقه يصغرك بمثل عمرك أو يزيد عن ذلك! بالتأكيد ستجد صعوبةً بالغة في القيام بهذا الأمر في البداية، خصوصاً إن كنت ممن يعتبر في ذلك تقليلاً من شأنه وإنقاصاً من وزن كبرياءه، ولكنك إن استطعت الاعتذار وإظهار الأسف لمن أخطأت في حقه، ستشعر بنشوة الانتصار على أهوائك وسيزداد فخرك بنفسك عندما تجد نظرات الاحترام والسعادة تحوم من حولك بسبب ما فعلت.
فقط حاول، وحاول مجدداً وكرر المحاولة إلى أن تنجح يوماً، وثق بأنك لو تسلحت بالعزيمة والإصرار ستفعل بكل تأكيد!

5- امدح المزايا:

تعلمت من إحدى محاضرات التنمية البشرية التي كنت أستمتع بها في الماضي أن كثيراً من البشر لديهم العديد من المميزات التي لا يعلمون عنها شيئاً، بل أننا قد أثبتنا بالتجربة العملية أن الإنسان يعدد سلبياته بسهولةٍ ويسرٍ تام في حين أنه يجد صعوبةً بالغةً في معرفة حجم الإيجابيات لديه وحصر مزاياه، لذلك تجد أغلب المربيين الناجحين عبر التاريخ يمدحون مزايا من حولهم ويشجعون الآخرين على فعل ذلك، لأننا بكل بساطة نحتاج إلى هذا الأمر للاستمرار والتقدم في رحلة الحياة فضلاً عن الإبداع والابتكار وتحقيق النجاحات.
وهو الأمر الذي أجد أن معظمنا قد تغاضى عنه تماماً في الآونة الأخيرة، مما دعم أكثر من جذور السلبية وساعد على تضخيم هالة الإحباط المنتشر في الأجواء المحيطة من حولنا حتى غلفها بالكامل، ولكن لابد من تذكير أنفسنا دوماً بأن طريق العودة لتصحيح الأمور وإعادتها إلا نصابها لازال متاحاً ينتظر ارتيادنا له مجدداً.

6- لا تبالغ في تقدير الأخطاء:

من السهل أن تشير بقسوةٍ إلى كل ما هو ناقصٌ أو معيبٌ في الأشياء بصفة عامة، ولكن من الصعب جداً أن تجد الكلمة الطيبة التي تؤدي نفس الغرض دون ترك ألمٍ في نفس أحد، فالخطأ لم يكن يوماً في فعل الخطأ بذاته، وإنما في تكراره وعدم التراجع عنه أو الاعتراف به.
ولأجل تحقيق ذلك علينا أولاً إحسان الظن بالآخرين لا التفتيش عن أخطائهم وشوائب أفعالهم، ثم تبادل الأماكن مع من أخطأ للبحث عن الحل بإنصاف قبل المباشرة بتوجيه ألسنة لهب الاتهام والانتقاد والانتقام، فإن الله رفيق يحب الرفق، فما دخل الرفق على شيءٍ إلا زانه.

7- الإصلاح بالعتاب لا بالتوبيخ:

كثيرون في مجتمعنا من يربطون الخطأ بالعقاب والتوبيخ والحرمان والإذلال، متناسيين تماماً أن التجربة هي الاسم الذي يطلقه الإنسان على أخطاءه قبل أن ينجح أخيراً في محاولاته، وبدلاً من تشجيعه منذ أن كان طفلاً يحبوا على استكشاف المجهول واختباره، مع توفير الرعاية الكافية والرقابة اللازمة لحفظ السلامة الشخصية له، نجدنا تلقائياً نلجأ لاستخدام أساليب التخويف والترهيب معه لمنع الكوارث التي لا نحمد عقباها من الحدوث.
ومع أننا نعلم يقيناً بأن كل ممنوعٍ مرغوب فيه، وأن الكبت لا يولد إلا الانفجار، إلا أننا مع ذلك نسيء التصرف بهدف الإصلاح، فنمارس طقوس التعذيب الملائمة نسبةً لحجم الخطأ وطبيعة الموقف، ونغلق بذلك آفاق أطفالنا وأبناءنا، ونقتل إرادتهم الحرة دون رغبةٍ حقيقيةٍ منا في فعل ذلك، ولو أننا لجأنا للمعاتبة كوسيلةٍ لإصلاح المعطوب من علاقاتنا لتفوقنا على توقعاتنا وتخطينا سقف طموحاتنا منذ زمن بعيد!

في النهاية أود أن أقول بأنني كنت ولازلت وسأظل أؤمن على الدوام بأن لكل إنسانٍ عالمه الخاص من الإبداع والتميز الخالص دوناً عن سائر البشر وكافة المخلوقات، ويبقى السر كامناً في معرفة هوية وموعد ظهور ذاك المفتاح الذي سيقود صاحبه لاقتحام أسوار هذا العالم الساحر واستكشاف خباياه، وقد كتبت هذه الكلمات التي أعتذر إن كنت قد أطلت عليكم بها لتكون رسالةً ورجاءً شخصياً ودليلاً مساعداً لكل ولي أمرٍ وأستاذٍ ومربٍ يتمنى من أعماق قلبه أن يكون أبناءه أو طلابه مبدعون ناجحون في أحد المجالات يوماً ما.