مُنتصف

لماذا دائماً نقيق عند منتصف الطريق عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية؟ ولماذا نهرب من المذاكرة مع قرب موعد الامتحان؟ ولماذا.....؟



مُنذ أن بدأت عملي رسمياً في هذه الجريدة وأنا أحاول جاهدة أن أجد طريقي لأكتب مقالي الأول، فأنا طالما أحببت الكتابة واستخدمتها بل وكانت السبيل الوحيد لي في التعبير عن نفسي.

ولكن عندما بات الأمر إلزاميٍ، وجدتني أقف يومياً أذكر نفسي بأهمية كتابة هذا المقال، وأنه من الضروري أن يناقش موضوعاً هاماً وجدياً، وكيف له أن يتضمن معانٍ واضحة وأفكار جديدة يتعطش لها القارىء، ولكن مع مراعاةً لحال هذا القارىء في التوقيت المناسب.
وجدتني أجمع كماً كبيراً من الأفكار التي تستوقفني، أدون عناوينها كي لا أنساها، ولكني لا أتمكن من إنهاء الكتابة في أي منها، فأتركها وأبدأ من جديد بالبحث عن غيرها، وهنا فقط استوقفني حالي هذا من التردد والخوف، وتذكرت موقفاً مشابهاً قد قرأته في مقال منذ عامين للممثل والكاتب “أحمد حلمي” والذي اختتم به كتابه (28 حرف)، وقد صور كيف أنه كان يعمل على كتابة مقال قد طُلب منه، ولكنه فعل كل شيء دون كتابة هذا المقال، وسرد قصته بأسلوبٍ مُمتع تحت عنوان (إعتذار واجب).

وهنا فقط نبت في عقلي الكثير من التساؤلات حول هذا الحال، وتذكرت أن الحياة حولنا بأكملها مليئة بالكثير من المواقف التي تقودك لهذا الحال من العجز عن إتمام المهام.
لماذا دائماً نقف عند منتصف الطريق عندما يتعلق الأمر بالمسئولية؟ لماذا نعبث في محركات البحث، ونستمر في القراءة طيلة نهار العطلات، ولكن يظل الأمر أصعب إذا طلب منا أحد أساتذة الجمع بحثاً في أمرٍ ما؟ ولماذا نهرب من المذاكرة مع اقتراب موعد الامتحان؟ لماذا ينجذب شخصين لبعضهما ببساطة ولكن تتعقد الأمور عندما يتعلق الأمر بالالتزام؟ وتظهر مسميات غريبة مثل (الهروب من المسئولية) و(الخوف من الـ commitment)؟

تلك التساؤلات عن عدم إتمام المهام، دفعتني بالبحث عن السبب وراء المهام التي كنا نؤديها بسهولة، مثل كوني كنت أكتب سابقاً ببساطة، أو مثل أنه كان من السهل علينا التفوق الدراسي في مراحل التعليم الأولى، هل هو الشغف؟ ولكن الشغف هو النار التي تشتعل بداخلنا وتحثنا على التحرك، لكن ما مصدر تلك النار؟ وما الذي يشعل الشغف بداخلنا؟.

لم أجد إجابةً كافية عن أسئلتي، ففكرت أن أعيد قراءة ذاك المقال الذي تذكرته، عله يقودني لحل يرضيني، وقد كان،
وأول ما وقعت عليه عيني تلك الكلمات:
“شعرت بحماس التصحيح فيما يبحث عن منفذ للخروج من دائرة ارتسم محيطها وتلون جوفها بخطوط الجهل وتكبير الدماغ السوداء، هذه الدائرة السوداء إن ظللت تنظر إليها من بعيدٍ فلن تراها إلا حفرةً عميقةً لا يظهر عمقها من شدة سوادها، فتخاف أن تذهب إليها حتى لا تسقط فيها، وإن كنت شجاعاً ومقداماً وتبحث عن الأفضل فاقترب منها ولا تخف، كل ما عليك هو أن تتخذ قراراً بطرد الخوف من الاقتراب، وعند وصولك لها لن تجدها إلا دائرةً سوداءً مرسومة على الأرض ما أسهل أن تعبر فوقها بقدميك، وعندما تصل إليها وتعرف أنك كنت تخاف مما لم يكن يجب أن تخاف منه ستحزن وتبكي على كل هذا الوقت الذي أضعته وأنت تقف بعيداً خائفاً من الاقتراب والسقوط في شيءٍ لا يسقط فيه إلا ما خاف منه وابتعد عنه”.

ومع نهاية تلك الكلمات التي اختتم بها الكاتب كتابه، بدأت أنا منها كلماتي، وقد أدركت بالفعل أن السبيل الوحيد للخروج من هذه المتاعب هو أن أقوم بوضع حدٍ لها بكل بساطة، وأنه مادمت تواجهه مخاوفك فلن يصبح لديك مخاوف، وأنه لن يحركك من مُنتصف هذا الطريق إلا الخطوة التي ستخطوها بعيداً عنه.

الأمر أشبه بمعجزةٍ صغيرة، ولكنه لا يتطلب كل هذا العناء، فكل ما عليك فعله هو البداية وترك التفكير في النتائج والعواقب، ففي حالتي كان ما أعجزني هو زيادة التفكير في نتيجة وصدى المقال دون التفكير في المقال ذاته، وهذا ما يحدث في كل مرة نعقد بها التزاماً ونخشى أن نخلفه، هذا الخوف الذي أصابنا في مقُتبل عُمرنا بالذبذبة.

نحن لازلنا أطفالاً أو مراهقين غير قادرين على اتخاد أبسط القرارات، ولا فينا من يتحمل المسؤولية ولا يتهرب منها في منتصف الطريق، لذا كانت أول خطواتي في التحرك قدماً، هي أن أخرج لكم بتلك الكلمات التي لن تكون الأخيرة، وأنتظر أن تخبروني بأولى خطواتكم التي ستخرجون بها من مُنتصف هذه الدائرة، وعندها فقط ستحققون أهدافكم تحت أي ظرف أو ضغط.

ييي