مرض الخيال

ولنا في الخيال حياة لكن الإفراط فيه مرض



شيء من عالم الخيال يحيط بالواقع الذي نعيشه في عقولنا وعقول من علمونا الحياة، فقد نهيم في حقيقةٍ نحبها ونعشق العيش فيها وقد نسرح فيما لا نريده ولا نرغب في تذكره، وقد نسرح لسماعنا شيء يذكرنا بذكرى تجعلنا نطير من سعادة قلوبنا ونشوةٍ تغوص بها أنفسنا، ولربما تكون ذكرى أقسى مما نتوقع فلا نستطيع الرد عليها سوى بالبكاء، ولا راد لدمع العين.

إن الخيال هو من المميزات العظيمة التي مَيَّزنا الله بها عن سائر خلقه، و نعمهٌٌ تجعلنا نربطُ كل شيءٍ يحدث حولنا بشيءٍ مادي بالنسبة لعقلنا ولا وجود له أمام أعيُننا، ودليل ذلك أن بعضاً ممن لديهم خيال أوسع من توقعاتك يتفاعل جسدهم بتصبب عرقٍ أو حركةٍ لعينٍ أو حتى شعورٌ بالحزن والعين تدمع لامعاً أو حتى لفرحٍ يترك تعابير وجهٍ ضاحكٍ حتى يظنه الناس مجنوناً.

بعض العقول يأسرها مرض الخيال فيعيش أصحابها فيه أكثر مما يعيشون واقعهم بين الناس، بل وينفصلون عن من حولهم إن أرادت عقولهم أن تأخذهم برحلةٍ دون إخبار أحد ودون استئذان!
الخيالُ الزائد عن حَدِّه يجعلُ من فكر الشخص منعزلاً، لا يريدُ واقعه، واقع تحت تأثير تخيله لحياةٍ لا أصل لها في عالمٍ افتراضي غير محسوس ولا ملموس، سوى أن عقله الباطن يصورها له حتى يصدقها رغبةً في الهرب بها لعالمٍ يريده ويرغب به هو، ولربما يكون لسد نقصٍ يرى من خلاله الشخص المريض بأنه لا يستطيع الحصول على ما يريد، فيبدأ عقله بتكوين عالمه الخاص.

وبعد كل ما سبق نستنتج أن الخيال مع بعض الناسِ يكون مرضاً، فالطبيعي أن تسرحَ فقط لبضعِ دقائقَ مع ذكرى في عقلك أو حتى لأبسط الأمثلة أن تسرح بأغنيةٍ تذكرك بمن رحل أو حتى بموقفٍ من الماضي حدث بالفعل وانقضى بغير رجعة، لا أن تعيشَ في الخيالِ وتقوم بتكوين شخصياتٍ من وحي تصوراتك المثالية، وتبني مواقف لا صلة بينها وبين الواقع، وتنشغل عن حياتك بالانغماس في تفاصيلٍ ليست حقيقة، وتكوِن صورةً لا تعكس شخصيتك، فكل ذلك ما هو إلا أحلام يقظة.

إن كنت أيها القارىء العزيز تعيش حقاً في عالمٍ من صنع خيالك تمتلك فيه حياتك وذكرياتك وتفاصيلك وأدواتك الخاصة، فنصيحتي إليك بأن تسرع وتهرع بالبحث عن طريقة علاجك، فإن استمرارك في هذه الحالة هو أول طريق وصولك إلى الجنون، فالخيال الزائد عن حده مرض خطير، والتوسط في الأمور خيرها، ولا حياة دون خيال فإن لنا في الخيال حياة.