أمي هي الحياة

جعلتني أتعرف على الحياة من خلالها، لقد كانت لي هي الحياة بكل تفاصيلها.



“الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق”.
لم تكن أمي لي مدرسة فقط، فقد كانت سراجًا منيرًا يضيء حياتي الحالكة، كانت طوق النجاة من بحار التعثر والإخفاق، كانت بوصلتي وخريطتي التي أهتدي بها كلما ضللت الطريق.

قلتها وسأظل أقولها دائمًا، إن كنت قد حققت شيئًا في حياتي، أو سأحقق فأمي لها الفضل الأكبر فيه بعد توفيق الله عز وجل.
لا زلت أتذكر أمي عندما كانت تكرس جُل وقتها قبل أن أدخل المدرسة الإبتدائية لتعلمني وتأسسني وتزرع في نفسي حب التعلم، ولكي لا أجد صعوبة عندما أبدًا في مرحلتي الابتدائية، وقد كان.. وأقبلت على المدرسة والعلم محبًا لا آبه بكل الصعوبات والخزعبلات التي كان يعتقدها أقراني.
وعندما كبرت قليلًا وجدت أمي تحدثني عن كل شيء كأنني شابٌ تجاوز العشرين، تحدثني عن الدين والفن والسياسة والرياضة وأحوال البشر.. إلخ، وأنا طفلٌ لم يتجاوز التاسعة على أكثر تقدير، ففتحت أمي لي أفاقًا لم أكن أعرفها، وجعلتني أنظر للحياة بنظرة مختلفة، جعلتني أتعرف على الحياة من خلالها، لقد كانت لي هي الحياة بكل تفاصيلها.
لقد اتخذتني أمي صديقًا صغيرًا تتسامر معي ، تأخذ رأيي في أمر ما، تشكوا لي ما يؤرقها فأرد عليها بطريقة تفكيري الطفولية تارةً وأكتفي بالصمت تارةً أخرى. لقد كنا أشبه بالصديقين، لذلك لم تكن علاقتنا علاقة أمر ونهي، عندما أخطئ لا أجد أمي توبخني وتنهرني، لا، تنصحني مثلما تنصح صديقًا فتوضح لي أني أخطأت وتشرح لي تبعات هذا الخطأ، فأجدني لا أكرر الخطأ مرةً أخرى لأنني اقتنعت في قرارة نفسي أنه خطأ وأني المتضرر إذا أخطأت مرة أخرى، لذلك بدأ الخطأ والصواب يتخذان مكانهما الصحيح في نفسي منذ سنٍ صغيرة، أعرف الخطأ ولا أقربه ليس خوفًا من العقاب بل هو اقتناعٌ تام بأنه خطأ، وأفعل الصواب من دون أمرٍ من أحد بل هو اقتناعي التام بأنه الصواب.

لقد كانت أمي رفيقي الوحيد المخلص في كل مرحلة من مراحل حياتي، لقد تحملت أمي الكثير من أجلي دون أن تطلب شكرًا أو رد. في الشدائد أجدها تقف بجانبي كالحصن المنيع، تشتد بي الحياة فأفزع إليها دون تفكير، هي المكان الوحيد الآمن، هي من ستقف بجاني، هي ستهون عليّ هي لن تتخلى عني أبداً.

شعرت فعلًا بقيمة أمي عندما التحقت بالكلية وانتقلت من محافظتي لمحافظة أخرى، وتذوقت فعلًا ويلات الحياة بدون أمي. لقد كنت معتادًا في بيتنا أن توقظني أمي صباحًا فأجد الفطور جاهزًا، ملابسي مغسولة ومكوية وموضوعة في مكانها، أرجع من المدرسة فأتذمر لأن وجبة الغداء لم تُعد بعد إلى آخره من هذه التصرفات، ثم الآن أصبحت وحيدًا فعرفت حقيقة الأمر، عرفت أن الوقوف طوال اليوم في المطبخ صعب، عرفت أن غسل الملابس وكيِّها وترتيبها ليس بالأمر السهل، عرفت أن تنظيف البيت وغسل الصحون وترتيب الميزانية والاعتناء بأمور المنزل ليست أمورًا سهلة، كيف لأمي أن تصنع كل هذا بدون مللٍ أو كللٍ أو شكوى، كيف لم أشعر بها يومًا، كيف كنت مغفلًا؟!

في يومٍ من أيام اغترابي كنت مريضًا طريح الفراش وقد كنت معتادًا في بيتنا أن تفزع أمي إليّ عندما أكون مريضًا وتعتني بي اعتناءً كاملًا وتجيبني حتى لو ناديتها فجرًا، لكن هيهات، من سينجدني الآن وأنا في بلد آخر ولا أحد يعرف أني مريض سوى حارس العمارة عندما رأى وجهي شاحبًا منذ يومين وعلى الأغلب هو لم ينتبه لي أصلًا، حينها ناديت بصوتي عاليًا فلم يجبني سوى صوت صرصور الليل، فنهضت داعيًا الله أن يرزق أمي الصحة وأن لا تغيب عن حياتي يومًا واحدًا.