ما بين عيد للشرطة وثورة الشعب!

ثورة الخامس والعشورن من يناير ما زالت نقطة تحول تاريخية في نظام مصر بأكملها ، فهل نرى مصر كما اراد شبابها وشعبها ان يروها ؟!



تمر بنا الأيام تباعًا لتصل بنا إلى يوم الخامس والعشرين من يناير، يوم تختلط فيه المشاعر والأفكار،  يوم قد يعني للبعض فرح، ويعني للبعض الآخر مشاعر حزن و اشتياق لمن فُقدوا من ذويهم، يوم عيد للشرطة، ذكرى ثورة يناير، لكن العامل المشترك بينهما هو عامل حب تلك الأرض والتضحية فى سبيل القضاء على كل أنواع القهر والظلم سواء أمام الإنجليز، أو أمام من كانوا يعتقدون أنفسهم مصريين كهؤلاء ممن صاروا شهداء.
دعونا نتذكر تلك الأحداث جملة وتفصيلًا.
عيد الشرطة:
يعد هذا اليوم الذكرى السابعة والستين لموقعة الإسماعيلية عام ١٩٥٢ التي راح ضحيتها خمسون شهيدًا وثمانون جريحًا من رجال الشرطة على يد الاحتلال الإنجليزي بعد أن رفض رجال الشرطة تسليم أسلحتهم وإخلاء مبنى المحافظة للإنجليز.
وتم إقرار هذا اليوم إجازة رسمية للبلاد من قبل الرئيس الأسبق حسني مبارك لأول مرة عام ٢٠٠٩.
ويا لسخرية القدر فقد كان هذا اليوم هو السبب الذي بدأت فيه الشرارة وجعلته يتنحى عن منصبه، ثورة اهتزت لها الأرجاء وغيرت مسار الحياة فى مصر.
ثورة يناير:
ثورة ٢٥ يناير أو كما يطلق عليها صورة الغضب استمرت لنحو ثمانية عشر يومًا لأجل هدف أسمى هتف به من شارك فيها الصغير والكبير، الفتاة والشاب، القسيس والشيخ، المسيحي والمسلم، هتفوا لأجل إسقاط نظام تملكتهم شهوة السلطة والنفوذ والمال، نظام تجردت من داخله كل معانى الآدمية.

بدأت الثورة تأثرًا بالثورة التونسية الشعبية ونادى البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي بإعلان يوم الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١ بأنه يوم غضب للشعب المصري، فلبى الآخرون النداء وخرجوا محتجين في مظاهرات عدة ضد الفقر والجهل والبطالة والظلم وكان لسانهم جملة واحدة “الشعب يريد اسقاط النظام”. بدأت المظاهرات في مدن كثيرة في نفس الوقت، في القاهرة والإسكندرية، في دمياط والمنصورة، في الإسماعيلية والسويس، في طنطا والمحلة الكبرى.
لكن كانت نواة الثورة و موطنها هو ميدان التحرير الذي احتشد عنده الجميع إلى أن جاءت قوات الأمن المركزي فى محاولة فض هذا الاعتصام بالقوة، وقد أسفر أول يوم عن سقوط ثلاثة قتلى من السويس من المتظاهرين وقتيل من الشرطة وعشرات المصابين ومئات المعتقلين.
تواصلت المظاهرات في اليوم التالي بين كرٍ وفر بين المحتجين والشرطة، وقامت السلطات بمنع موقعي فيس بوك وتويتر لأنه كان الشرارة التي حركت الآلاف من أماكنهم، لكن سرعان ما أتى الرد سريعًا باختراق مواقع وزارة الداخلية والموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية و تعطيلهم.
وفي اليوم الثالث تصاعدت المظاهرات في مدن أخرى، في الإسماعيلية والسويس وطنطا وشبين الكوم.
وبنهاية اليوم قامت الحكومة بقطع شبكات الإنترنت عن مصر ودام هذا الانقطاع عدة أيام. وجاء يوم كان كالشرارة، اليوم الذي دعت فيه القوى الشعبية إلى جمعة الغضب (اليوم الرابع) إلى الخروج يدًا بيد لوقف ما يحدث، وبعد صلاة الجمعة خرج جميع أنحاء البلاد مئات الآلاف من المتظاهرين، اعترضت قوات الشرطة طريقهم لكنها لم تصمد طويلًا أمام هذا العدد ومع عصر اليوم استطاع المتظاهرون السيطرة على مدينتي الاسكندرية والسويس، فقد تم إحراق جميع مراكز الشرطة واستخدام القنابل المسيلة للدموع ضدهم، كما تم حرق المقر الرئيسي للحزب الوطني الحاكم في القاهرة، فضلًا عن إتلاف جميع صور حسني مبارك في مسقط رأسه بمحافظة المنوفية .
وكانت الحكومة قد أعلنت حالة الطوارئ وحظر التجول لكن هذا لم يقف عائقًا أمام المتظاهرين، وبدأت حالة من النهب والسرقة ادعت الشرطة أنه من جانب المتظاهرين لكنه فى حقيقة الأمر من جانب المساجين والبلطجية الذين حررتهم الشرطه لترويع الجميع.
ومرت الأيام بنفس النسق مع زيادة الأعداد على الرغم من فرض حظر التجوال من الساعة الرابعة عصرًا وحتى الثامنة صباحًا وتعطيل حركة القطارات لكيلا تنضم الأقاليم إلى الجموع المتواجدة بميدان التحرير . وفي نهار اليوم التاسع قامت اشتباكات قوية ما بين مؤيدي ومعارضي حسني مبارك حيث قام بعض رجال الأعمال التابعين للحزب الحاكم بتجنيد بلطجية للاشتباك مع المتظاهرين مقابل ٤٠٠ جنيه للشخص الواحد.
وقد حاول أنصار مبارك الدخول إلى الميدان عنوة لكن سرعان ما بدأت الاشتباكات بين الطرفين وتراشق الحجارة فى معركة دامت لساعات، في حين رفضت قوات الجيش التدخل وجل ما فعلته هو إطلاق النار فى الهواء!
وحاول بعض المؤيدين اقتحام الميدان على ظهور الخيل والجمال وهم يلوحون بالسياط لهذا عرفت تلك الواقعة بموقعة الجمل.
وكان لميدان مصطفى محمود نصيبًا من الاشتباكات مثل ميدان التحرير حيث اتجه المؤيدون إلى هناك ظنًا منهم أن المتظاهرين سيخلون المكان لأجلهم.
واستمر الحال هكذا عدة أيام من اشتباكات ومعارك إلى أن ظهر العنف الأكبر من جهة البلطجية والداخلية، حيث قام بعض البلطجية بإطلاق الرصاص الحي من فوق كوبري السادس من أكتوبر قبل وضح النهار حتى لا تراهم الأعين.
ولم يكن نصيب قوات الأمن أقل من البلطجية حيث فوجئ الجميع بعربات الشرطة تتحرك بإتجاههم مسرعة وكأنه طريق لا ترى فيه ولو نملة، إخترقت تلك العربات المسيرة في محاولة لتفريقهم فقامت بدهس بعض منهم في منظر لا يستطيع أي من عاصر تلك الأيام نسيانه.
وفي يوم الأحد ٦ فبراير (اليوم الثالث عشر) اعتبره البعض أول أيام أسبوع الصمود كما لُقِّب، حيث عقدت جلسة حوار ما بين نائب الرئيس آنذاك عمر سليمان، وبين ممثلي المعارضة من جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الوفد الليبرالي، وحزب التجمع اليساري وممثلون عن البرادعي لمحاولة إيجاد حل لتلك الأزمة، وفي محاولة من الحكومة لإعادة الحياة إلى عهدها عادت البنوك المصرية إلى العمل ذلك اليوم، وحاول الجيش المصري فتح الطريق للسيارات بميدان التحرير، وهذا يعني تهميش المظاهرات وكأن شيئًا لم يحدث، لكن المتظاهرين قاموا بالنوم أمام الدبابات لمنعها من التقدم لإخلاء الطرق، وقام الآلاف بأداء صلاتي الظهر والعصر في الميدان، وأقيمت صلاة الغائب على أرواح من استشهدوا خلال تلك الأحداث، كما أقام المسيحيون قداسًا شهده الكثير من المسلمين ، وتواصلت الهتافات حتى وصل صداها بعيدًا بزيادة الاعداد يومًا بعد يوم.
وفي ذاك اليوم صدرت قائمة بأهم المطالب التي يطالب بها الجميع:
– رحيل الرئيس والتنحي نهائيًا عن منصبه والتحقيق في مصدر ثروته وعائلته والنظام ايضًا.
– حل مجلسي الشعب والشورى.
– تولي رئيس المحكمة الدستورية العليا الحكم لفترة انتقالية.
– تشكيل حكومة جديدة انتقالية لتسيير الأعمال تضم جميع فئات قوى المعارضة .
– تولي الجيش حفظ الأمن والنظام.
– تولي الشرطة العسكرية مهام الشرطة المدنية.
– عزل قيادات الشرطة و مدراء الأمن، وقيادة أمن الدولة والأمن المركزي.
-التحفظ على المسئولين السابقين، ومنعهم من السفر خارج البلاد تمهيدًا لتقديمهم للمحاكمة.
– الإعداد لإنتخابات رئاسية وفقًا للدستور الجديد حال الإنتهاء منه.
وتزايدت الأعداد بمحيط ميدان التحرير حتى وصل إلى ثلاثة ملايين من المتظاهرين ، وكان التركيز الأكبر للتظاهر منصب أمام مجلسي الشعب والشورى ووزارة الداخلية.
وتوقفت تقريبًا كل أشكال الحياة عن غالبية المدن المصرية من تجارة، واقتصاد، وتعليم، وحتى حركة السير.
ودامت الثورة هكذا من أحداث ١٨ يومًا إلى أن جاءت جمعة النصر ، يوم ١١ فبراير الذي أصدر فيه عمر سليمان بيانًا يعلن فيه تنحي محمد حسني مبارك عن منصبه رئيسًا لمصر وتسليم إدارة شؤون البلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
وبهذا فقد أثمرت تلك الثورة عن جهودها ، وحققت أعظم مطالبها بإسقاط النظام ولم يذهب دم الشهداء هدرًا وسدى.
وبدأت الاحتفالات عقب إصدار هذا البيان مباشرة ، فكانت من مظاهره تجميل ميدان التحرير، وجعله في أحسن صورة، وجعل صور الشهداء واجهة له، وخرج الآلاف من الأقاليم ايضًا للاحتفال بهذا الإنجاز.
تلك ثورة عرف العالم بأكمله صداها مما تم فيها من أحداث ويمر علينا يومنا بالذكرى الثامنة حتى نسترجع ذكرياتها وذكريات من ضحوا بأرواحِهم من خلالها، ولو للحظة واحدة، لأنها تذكرنا بأهمية وقيمة الحرية، وأهمية التجمع حول هدف واحد، وهو القضاء على جميع أشكال الظلم والقهر باعثة من خلالها رسالة إلى كل العالم أنه “مهما كان الحاكم قويًا ، فلن نجعله ينسى أن هناك شعبًا أقوى منه يمكن أن يزيله من منصبه بين يوم وليلة “.