انتباه أيها السادة.. أنا مكتئب

قل خيرًا أو اصمت.



في حوار مع صديقي المكتئب، الذي لا يدعي الاكتئاب، وبالفعل أكد له الأطباء النفسيون أنه مصاب بالاكتئاب الحاد، فدعونا نستمع إليه قليلًا.

قال “كل يوم أستيقظ وأجد نفسي لا زلت في نفس السرير، في نفس البيت، لا زلت في الدنيا أحزن، وأدعو الله أن يكون اليوم هو الأخير، فليأتِ الموتُ على هيئة حادث أو ما إلى ذلك.. لمَ يا ربِ؟ لمَ لا زلت حيًا؟!

حيًا؟! هل أنا بالفعل أحيا؟! أتساءل كثيرًا، تمر أيامي متشابهة وتترسب المعاناة في الأعماق أكثر وأكثر، حتى أنني فقدت معنى الحزن، كما فقدت لذة الفرح، أقوم بأعمال كثيرة، كلها بلا معنى، ولا أجد ليومي دافع يستحثني على إكماله. كل يوم أفكر كثيرًا في قتل نفسي، وحاولت أكثر من مرة، هم يقولون أنني نجوت، أما أنا أعتبرها خيبة أمل، ككل خيبات الأمل التي أودتني في هذا الجانب، لا يا ربِّ، لست جديرًا بالحياة إن كانت جميلة، ولست قويًا بما يكفي لمواجهتها إن كانت عتية.

ما الذي يظهر أمامك؟! شاب ميسور الحال يضحك كثيرًا، يملك من الدم خفة تجعله جذابًا في بعض الأحيان، يعطيك نصائحًا ويقف بجانبك إن احتجته، وصاحب آراء أحيانًا سديدة فتلجأ إليه في أزمتك النفسية، ربما يدفعك للنجاح ويكون لك خير معين، ربما تشعر أنه مقرب إليك.. أما الذي يخفى فكثير لا يعلمه إلا ربه، حتى أنا نفسي لا أعلم كيف الحال، هل هو جيد؟! أم سيئ؟! تاهت المعاني في بحر الظلمات، لذلك قبل النوم يتوسل إلهه العظيم أن يرحمه، أن ينتشله من عذاباته وإرهاقه، أن يأخذ بيده لمكان أفضل يجد فيه الراحة والسلام.

كيف بدأ الأمر؟ ، لست أدري، لكنني فيه على كل حال، ستتسائل بالطبع هل حاولت العلاج أم لا، نعم وحتى في مرة أثناء حديثي مع طبيبي النفسي سقطت دموعي رغمًا عني فشاركني دموعه هو أيضًا، ههه، لقد جعلت طبيبي يبكي، فكيف أنا؟! ، وأما العلاج الكيميائي فهو رحلة أخرى من الألم الجسدي، يُزيد من إرهاق هذا الجسد المنهك، مع كل دواء جديد أعراض جديدة، أتقيأ في الشارع، ربما أفقد توازني فأسقط، وفي بعض الأحيان أفقد الوعي، غير ذلك تلك “الحكة” الغريبة التي تأكل جلدك، هذه لا تختفي مهما طالت مدة تعاطي الدواء، وغير ذلك حتى أن ذاكرتي لا تسعفني في تذكر الأعراض الجانبية لكل دواء تعاطيته، في مرة كتب لي الطبيب مُنومًا، كي لا أضرب رأسي ضربات متتالية في الحائط حتى أنام، أحببت المنوم وأدمنته، إن رحلة العلاج الكيميائي هذه شاقة جدًا، مكلفة للغاية فأستطيع أن أجزم لك، رحلة العلاج التي قاربت العام والنصف، تخطت حاجز الـ 15 ألف جنيه، أليس إخوتي أولى بهذا المبلغ؟! لمَ يتمسكون بي؟! أنا خطر عليهم، عديم النفع، كثير الضرر، ما ذنب أهلي في كل هذا؟

لا يقتصر الأمر على الألم النفسي الغير محتمل، بل تتشارك أعضاء الجسد في هذا الألم، ركبتي مثلًا تعمل بجهد شاق، وظهري يحملني بشق الأنفس وكثيرًا ما يتألم، حتى جسدي لم يعد يتحملني، فيبعث لي برسائل تحثني على الذهاب به إلى مكان آخر غير هذه الحياة المُوحشة، للأسف هو لا يستطيع الانفصال عني لأنه أنا في النهاية.

حسنًا أرجو أن تحترم رغبتي في إنهاء الحديث الآن، وأعدك أني سأتحدث معك مرة أخرى، مع تنبيه قصير أني ربما لا أحترم وعدي هذا، فربما أنتهي قبله.”

سأحاول جاهدًا أن أكون جانبه، حتى أستطيع فهم هذه الحالة أكثر، وأن أفهم منه أكثر معنى الاكتئاب، وكذلك حتى لا يدعيه الناس، المدعون هؤلاء دفعوا البعض في إطلاق ألفاظ تؤلم هؤلاء الذين يتعذبون ، أبرزها “الـ Attention whores” ما الداعي؟! ما الذي يستدعيك أن تحكم على واحدٍ يعيش في معاناة حكمًا يزيد معاناته، فيكتم في نفسه، ولا يجد متنفسًا إلا قتل نفسه، هل هذا ما يرضيك عن نفسك مثلًا؟!