تعليمنا مذنب ولغة الضاد بريئة

فلنعطي لأنفسنا فرصة لتذوق اللغة العربية. لا أخبركم أن نجربها عن طريق المعاجم ونصوص الجاهلية، فلنجرب بالطريقة التي تلائم زمننا ، دون أن نقلل من شأنها. تعلم اللغة العربية عن طريق شئ تحبه.



إلى كل من يستطيع أن يقرأ هذه الجملة فهنيئا لك! لقد التقطت عيناك أحرف اللغة العربية بسلاسة عن الكثير من سكان العالم. لقد أصبحت لغة الضاد مثل الكنز المدفون, ليس لأننا لا نستطيع الوصول إليه ولكن لعدم إدراكنا لقيمة ما بداخل الصندوق, فنمر من فوقه ظنا منّا أنه عقبة كبيرة في طريقنا.

إن كان هناك شيء أراه في زمننا الحالي فهو عدم رغبتي في العيش فيه، فمن منّا لم يحلم بالرجوع إلى الزمن الجميل الذي طالما سمعنا عنه وشاهدناه في التلفاز؟ فمن أهم الأشياء التي فقدناها هي الشعور بأهمية لغتنا الحبيبة. كلنا نسمع أجدادنا ومعلمينا الكبار وهم يحدثونا عن جمال ومتعة اللغة ولكن نادرا ما نتفق معهم. فكيف استشعر جمالها بكل هذه التفاصيل؟ للأسف الشديد جيلنا ظُلِمَ في نظام تعليمي لم يعطه الفرصة لتذوق اللغة وبالتالي تقبلها، فنجد الأجيال الجديدة تُربى على لغات أخرى منذ الطفولة تحت مسمى التقدم والرقي.

ليس القصد من كلامي أن نكتفي باللغة العربية وأن نهمل باقي اللغات، فطلب العلم والتوسع في المعرفة والعمل بهم أساس أي مجتمع ناجح، ولكن ما أقصده هو ألا نتمسك بالصورة ونترك الأصل، ألا تتأثر لغتنا الأساسية. أن نعطي لأنفسنا فرصة للتعرف على هذه اللغة العظيمة وأن نتذوق ما بها من جمال. فلا نجد عربي لغته الأولى أجنبية.

لقد خلقنا الله من نفس واحدة, وكل شخص فينا يتميز بهويته, فما الذي يجعل لك قيمة إذا كنت بلا هوية؟ فاللغة تمثل جزء كبير من هوية كل شعب وكل بلد، عبر التاريخ نجد أن نجاح الشعوب والحضارات مترابط مع  قوة تماسكهم بلغتهم. فهل تسألت يوما عن سبب قوة اللغة اليابانية حتى اليوم رغم صعوبتها؟ فبعد هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية حاول الأمريكيون استبدال الحروف اليابانية بالحروف اللاتينية ولكن تصدت اليابان ورفضت تماما رغم ضعفها الشديد في ذاك الوقت، وكان ذلك التصدي أحد عاومل نهضتهم في زمننا الحالي. (1) ويحزنني كل مرة اشعر فيها بسيطرة باقي لغات العالم داخل الوطن العربي عن لغتنا الحبيبة. فاللغة أكثر وأعمق من مجرد طريقة للتعبير عما بداخلنا، اللغة هي أسلوب تفكير وتفاهم بين الناس. ولكن لماذا بالأخص اللغة العربية؟

إليكم بعض المعلومات والحقائق عن اللغة العربية التي قد تغير فكرنا وتزيد اعتزازنا بها:

 

1) إذا كنت من محبي الرسم والفنون بشكل عام فعليك أن تفخر بكونك عربي الأصل, فالخط العربي المعروف في الخارج بال “Arabic calligraphy” يُعتبر من أكثر الفنون جمالا في العالم. فهي تتميز بكونها متصلة مما يجعلها قابلة لاكتساب أشكال هندسية مختلفة من خلال المد والرجع والاستدارة والتزوية والتشابك والتداخل والتركيب.

 

 

2) أما إذا كنت من أصحاب المزاج العالي ولا تبدأ يومك إلا بالمشروب الرسمي فتتوجه إلى المقهى أو ال”Coffee Shop” المفضل لك. فلتعلم قارئي المُحترم أن أصل الكلمة هي قهوة والتي تعني الخمر أو اللبن المحض أوالرائحةفي لسان العرب والمعجم الوسيط وغيرهم. (2) واشْتُقَتْ الكلمة من الإقهاء أي الكراهة, لذلك اُطلقت على الخمر. ويرجع استخدامنا لها حاليا إلى مُعجم اللغة العربية المُعاصر كما في باقي اللغات مثل الإنجليزية والتركية والإيطالية والعثمانية على صورتها الحالية. وإذا كنت لا تستطعمها إلا بالسكر، فلتعلم أيضا أنها أصلٌ لكلمة “sugar” والتي يستخدمها الناس كثيرا.

 

3) إلى كل راغبي السفر إلى فرنسا ومحبي اللغة الفرنسية، تلك اللغة الرقيقة التي دائما ما نجد فيها نغمة موسيقية، عليك أن تعلم أولا أن هناك ما لا يقل عن 214 كلمة مشتقة من اللغة العربية. فالعبارة العربية كآلة العود، إذا نقرت على أحد أوتاره رنت لديك جميع الأوتار وخَفِقَت. ثم تُحَرَّك اللغة في أعماق النفس من وراء حدود المعنى المباشر مَوْكباً من العواطف والصور – كما قال الأديب والكاتب الفرنسي؛ وليم مرسيه.

 

 

4) اللغة العربية هي لغة القرآن، وهي أساس تمام كل العبادات في الإسلام. فنرى باقي المسلمين في العالم يجاهدون لتعلم اللغة العربية، ليس لمجرد اتمام عبادتهم بسهولة، ولكن لما وجدوه من عمق وبلاغة وعظمة في لغتنا. وأيضا هي لغة شعائرية رئيسية لدى عدد من الكنائس المسيحية في الوطن العربي. فهي لغة تفوق سائر اللغات غنى ورونقا, ويعجز الإنسان عن وصف محاسنها – كما قال المستشرق الأمريكي كرنيليوس فانديك. ألا نخجل رؤية الغريب يشعر بالنعمة التي أنعمها الله علينا أكثر منا؟

 

 

 

5) الأمم المتحدة تقوم باحتفال عالمي كل سنة يوم 18 في شهر ديسمبر احتفالا باليوم الذي قررت فيه جمعية الأمم المتحدة اعتبار اللغة العربية من اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة. ويسمى هذا اليوم ” اليوم العالمي للغة العربية ” والذي بدأ منذ 1954.

تلك مجرد نقطة في بحر من جَمال وعجائب هذه اللغة العظيمة ولكننا نفتقد إلى معرفة ذلك. فإذا تأملنا في وضعنا الحالي سنلاحظ التدهور الذي يزيد يوما بعد يوم. فاللغة العربية بريئة من كل منهج يعتمد على الكم لا الكيف (3)، اللغة العربية بريئة من كل معلم تسبب في تعقيد طلابه بسبب طريقته، اللغة العربية بريئة من كل طالب لم يصل إلى حلمه بسبب نظام تعليمي عقيم جعل العربي عقبة في طريقه.

اللغة العربية بحر عميق تطيب النفس إذا وقعت عليه العين، ويُنسى القلب ما يشغله من هموم، ويتفكر العقل في هذا الجمال، فترقى النفس لمقام أفضل.

فالبحر يبدو لنا من الخارج أنه مجرد مجمع مياه مالحة ولكن سرعان ما نقترب منه فنجد ذلك السمك الصغير وبعض الشعب المرجانية فنغوص بداخله لنكتشف عالما آخر من أسماك ومخلوقات بحرية ونباتات ما زال العلم حتى الآن يستكشفه.

فلنعطي لأنفسنا فرصة لتذوق اللغة العربية والغوص بداخلها. لا أخبركم أن نفعل ذلك عن طريق المعاجم اللغوية ونصوص الجاهلية، تعلم اللغة العربية عن طريق شيء تحبه دون التقليل من شأنها. فمثلا، إذا كنت تحب القراءة فاختر نوع الكتب التي تروق لك، فما أكثر أنواع الكتب في هذا الزمن! أما إذا كنت من الفنانين الموهوبين فتعلم فن الخط العربي. تعلم عن طريق أغاني قديمة أو حتى شعر مبسط عن شئ تحبه. اعطِ لنفسك وعقلك فرصة لتذوق اللغة العربية وأهم شيء لا تحكم على شيء دون تجربته فتكن كالذي يحكم على كتاب من غلافه ولا تسمح لأحد أن يسيطر على رأيك فتفقد هويتك الحقيقية.

(1) من مقال “اللغة والهوية الثقافية.. النموذج الياباني” للدكتور شهاب فارس” بجريدة البلاد السعودية الأربعاء، 19 آذار، 2008 الموافق 11/3/1429هـ.

(2) لسان العرب والمعجم الوسيط من أمثلة معاجم اللغة العربية

(3) أي أن المنهج يعتمد على كمية المعلومات لا على كيفية تلقيها وتذوقها