ما لا يسع المرء جهله قبل ما يقرر يخلّف

لو كانوا سألونا قبل ما يولدونا عارفين كنا نقول إيه؟ كنا نقول افهمونا



كم من مرةٍ رأيتَ صديقةً أو قريبةً لكَ على وشك الانهيار، مُشكّلة هي وصغيرها سيمفونية تدفع أي شخص للجنون، فصغيرها لا يتوقف عن البكاء وهي لا تتوقف عن الصراخ لأنها لا تدري لماذا يبكي! كم من مرةٍ سألت أحد أصدقائك عن حال طفله وكان رده الفوري “بَلا هم”! كم من مرةٍ قالت لكِ طنط من الطنطات “نامي كتير دلوقتي؛بكرة لما تخلفي مش هتدوقي طعم النوم”. نعاصر كل هذا وأكثر يوميًا وبدون أن نشعر فيترك في داخلنا خوفًا شديدًا من حياة ما بعد الإنجاب، وكيف أن مُنْحَنَى حالتك النفسية والجسدية والعصبية من بعد هذه اللحظة سوف يستمر في الهبوط، ولكن دعني أقُل لك أنهم مخطئون تمامًا؛ فهم قد سمعوا هذا الكلام وترسخت في أذهانهم أن هذا هو الطبيعي، وأنهم لن يكونوا أفضل من أمهاتهم أو جداتهم، ولكن هذا غير صحيح فقد خلق الله لنا العقل لنفكر ونتدبر ونحاول أن نتفادى أخطاء الآخرين. في السطور القادمة أعرض بعض الأخطاء الشائعة وكيفية تصحيحها.

العياط فن مش عن عن

الطفل وهو في رحم أمه تكون جميع الظروف مهيئة لراحته وبعد ولادته يجد أن الظروف اختلفت فجأة وأن هناك ما يزعجه ووسيلة تعبيره الوحيدة هي البكاء، وهنا تأتي المعضلة الأزلية وأسطورة “طالما واكل وشارب ومستحمي، سيبيه يعيط وهو هيسكت لوحده” و تفسيرهم لرد الفعل هذا أنه إذا هرعتَ إليه في كل مرة يبكي فيها فإنك تدلّله وسيعتاد على ذلك التدليل. وهنا فقد وقعت في خطأ، فإن الطفل يولد مرتبطًا بوالديه عاطفيًا وإذا أتى إلى العالم ولم يجد اهتمامًا ممن حوله خاصة والدته، فإنه يفقد الثقة في من حوله ويتسلل إليه شعور أنه أصبح وحيدًا في هذا العالم  ولن يهتم به أحد. نستطيع تفادي هذا الخطأ عن طريق محاولة معرفة سبب بكاء الطفل.فلماذا يبكي الطفل؟ هناك أسباب كثيرة لبكائه، فمن ضمنها أن الصوت حوله عال/منخفض أو الإضاءة قوية/ضعيفة أو أنه فقط يشعر بالملل، تخيل نفسك مُستلقيًا على نفس الكرسي تحدق في السقف لساعات! كل ما هو مطلوب منك أن تقوم بتحسين كل هذه العوامل حتى تتوصل لما يزعجه، وحتى إذا لم يكن أيٌّ منها هو سبب بكائه، فإن رؤيتك تحاول قدر المُستطاع معرفة ما يزعجه تبعث في قلبه الاطمئنان لوجود مَن يهتم لأمره.

الحب المشروط

من الأخطاء الشهيرة جدًا التي تجري على ألسنة الكثير بدون التفكير في وقعها الكبير على الطفل قول “ذاكر عشان أحبك” أو “ماتعملش كذا عشان بابا يحبك”. بذلك، فقد ربطنا حب الوالدين للطفل بفعل معين وأنه إذا توقف عن هذا الفعل سواء بإرادته أو رُغما عنه، فإنهما سيتوقفان عن حبه وبذلك نحن نوصل الرسالة بشكل خاطئ. والأفضل أن تقول له “أنا زعلان عشان أنت عملت كذا”، وحيث أن العلاقة بينكم قائمة على الحب، فمن منطلق أن المُحب لا يحب رؤية محبوبه حزينًا فيقرر الطفل تلقائيًا العدول عن هذا الفعل.

احنا مخلفين راجل

كثيرا ما يعاني الوالدان بعد ولادتهما للطفل الثاني من غيرة أخيه الأكبر منه والتي تصل إلى أبعاد كبيرة، مثلا: يرغب بأن يحملوه كما يحملون أخيه الأصغر أو يقوم بضرب أخيه الأصغر. ولا يستطيع أحد أن يلومه، فالمولود الجديد استحوذ على اهتمام الجميع، وأصبح هو في المرتبة الثانية بالنسبة لكل من في البيت. وللتغلب على هذه المعضلة، يجب عليك قبل ولادة الطفل الثاني أن تمهدي للطفل الأول أن أخاه قادم، وأنه عندما وُلِد كنتما أنتما الاثنان فقط مسئولين عنه، ولكن أخاه القادم محظوظ لأن لديه أخ كبير سيرعاه ويساعدهما على تربيته. ولتأكيد هذه الصفة، يمكنك إشراكه في الأشياء المتعلقة بالطفل، مثل: اختيار اسم المولود أو شراء احتياجات الطفل الجديد. وبهذا، ستجد أن الطفل يتعامل بنضج أكثر نابع من شعوره بأنكم تعاملوه كرجلٍ كبير حتى أنكم تستطيعون إسناد مهام كبيرة إليه.

الطفل المعجزة

يجب أن تدرك أن طفلك كالنبتة التي تحتاج العناية بكل تفاصيلها وتطوير جوانبه، فعلى سبيل المثال في الشهور الأولى يمكنك تطوير إدراكه للأشياء من حوله عن طريق ربط أفعالك بالكلمات التي تمثلها، فمثلا أثناء تغيير ملابسه احرصي على تكرار كلمات بعينها في نفس الموقف مثل “بنطلون” عند ارتدائه لبنطاله وبعد شهر أو اثنين من التكرار، سيقوم برفع قدميه تلقائيًا عند ذكر كلمة “بنطلون”؛ لأن الكلمة ارتبطت عنده بهذا الفعل، والنتيجة هي طفل ذو بضعة أشهر يدرك معنى ارتداء بنطاله.

في النهاية، لن يتم شيئًا من هذا إذا لم تكُن أنت في حالة نفسية وجسدية جيدة حتى تستطيع أن تُعطي طفلك ما يحتاجه، فاحرص على أن تأخذ قسطًا من الراحة  بعيدًا عن البيت بين الحين والآخر لاستعادة شتاتك وهدوئك النفسي. لا يمكن إنكار أن التربية مسئولية كبيرة ولكن الفزع المُفرط لن يساعدك؛ بل الاطلاع والبحث ومحاولة فهم الطفل وكيفية تفكيره ستعطيك الثقة بأنك قادرٌ على التربية السليمة، وأن طفلك يستحق الجهد المبذول ليصبح فيما بعد شخصية ناضجة سوية، فقد امتلأ العالم بغير الأسوياء وقد اكتفينا. أقسم بالله اكتفينا!