راوي: رمضان من تركيا

لا يختلف المسلمون في صيامهم في شتى بقاع الأرض، إلا أن الطقوس الرمضانية تختلف من دولة إلى أخرى. وتفرُّد تركيا ببعض العادات والتقاليد في شهر رمضان عما سواها من الدول الإسلامية، هو ما دفعني



لا يختلف المسلمون في صيامهم في شتى بقاع الأرض، إلا أن الطقوس الرمضانية تختلف من دولة إلى أخرى. وتفرُّد تركيا ببعض العادات والتقاليد في شهر رمضان عما سواها من الدول الإسلامية، هو ما دفعني إلى زيارتها لاكتشافهم.

ما أن وطأت قدماي أراضي تركيا، رأيت مآذن الجوامع كلها مضيئة في أنحاء تركيا كافة عند صلاة المغرب، وتبقى كذلك حتى فجر اليوم التالي.

ابتداءً بالروحانيات التي تنير القلوب، تنتشر طيلة أيام الشهر الفضيل دروسٌ دينية في المساجد وقراءة القرآن، وهي من المظاهر الرمضانية البارزة لدى الأتراك وخاصة في مدينة إسطنبول الشهيرة بمساجدها الضخمة ذوات المآذن الفخمة ويأتي على مقدمتهم مسجد (آيا صوفيا).

مسجد آيا صوفيا

ومما أثار دهشتي هو إطلاقهم على رمضان اسم “سلطان الشهور”. وكذلك، يتحدّثون مع رمضان قائلين له في النصف الأول منه “مرحبًا يا رمضان”، وقولهم في النصف الثاني منه “الوداع”. وجدت أيضًا معارض للكتب تُقام في رمضان خصيصًا، حيث يبدأ نشاطه مع بداية الأسبوع الثاني من الشهر الكريم ويفتح المعرض أبوابه كل يوم لاستقبال زواره بعد صلاة المغرب، ويستمر حتى قُبيل الفجر.

وزُرت جامع “الخرقة الشريفة” الذي يقع في أشهر أحياء مدينة إسطنبول “حي الفاتح” في القطاع الأوروبي، والذي أصبحت زيارته من العادات الشعبية عند الأتراك وتتجلى بوضوح في شهر رمضان، وهو من الجوامع التي بُنيت في العصر العثماني. عند ذهابي له، كنت هناك قبل الفجر بساعات فمنعني أحد مسئولي المسجد من الدخول، فتعجب لذلك، فأخبرني أن هذا هو  الموعد المخصّص للنساء؛ من بعد المغرب حتى طلوع الفجر. ثم سألته عن سبب هذا الموعد مع أن الصباح أكثر أمانًا للنساء، فقال لي أن هذا الموعد فرصة لوفود وجموع النساء اللواتي يأتين من على بُعد مئات الأميال فلا يصلن إلا في الليل، فانتظرنا حتى قبيل الفجر، وسألته حينها عن سبب تسمية المسجد ب”الخرقة الشريفة”، فأجابني أنه بسبب احتوائه على الخرقة النبوية الشريفة التي أحضرها السلطان سليم لإسطنبول بعد رحلته للشرق في عام 1516م، وعند دخولنا فيما بعد أراني إياها. فوجدت أن النساء تَعُدنَ في حافلات جماعية تُخصص من طرف الجمعيات الخيرية لنقلهن من وإلى بلداتهن ومدينة إسطنبول. ولا يُفتح المسجد للزيارات إلا في النصف الثاني من شهر رمضان.

مسجد الخرقة الشريفة

عند الإفطار، أفطرت معهم متناولاً التمر والزيتون مع بعض أنواع الجبن قبل تناول الطعام الشهي الأساسي. والبعض يقوم لأداء صلاة المغرب أولاً ثم يعود لمائدة الطعام مستكملاً إفطاره، بينما البعض الآخر يكمل إفطاره كاملاً ثم يؤدي صلاة المغرب. طبق الشوربة الساخنة من الأطعمة الأساسية في المائدة التركية، ولعل هذا يعود لظروف المناخ البارد في أكثر أوقات السنة.

وبالنسبة إلى المخبوزات، رأيت أن الأفران والمخابز تقوم بعمل خبز خاصٍ لا يُرى إلا في شهر رمضان ويسمونه “بيدا” وهي كلمة فارسية تعني”الفطير”، وهو نوع من الخبز المستدير بأحجام مختلفة ويُباع بسعر أعلى من سعر الخبز العادي، ولمّا كانت فطائر “البيدا” تخص شهر رمضان، فإن الأطفال يقفون في صفوف طويلة قبل موعد الإفطار بقليل للحصول على الفطائر الطازجة، والأتراك عادة من الشعوب الإسلامية التي تتمتع بثقافة في الطعام والشراب تفوق قرناءها، وتعتبر الكنافة (العجائن المستديرة والتي تمتلئ أو تحشى بالمكسرات وتسمى عند أهل الشرق بالقطائف) والجلاّش والبقلاوة من أبرز أنواع الحلويات التي يقبل عليها الأتراك في شهر رمضان.

بيدا

ومن المظاهر المحببة والمفضلة لدى الأتراك هي الزيارات المتكررة والمتبادلة التي تقوم بها العائلات، خاصةً على موائد الإفطار. وفي المساء، يخصِّص التلفاز حوالي ثلاث ساعات يوميًا لإذاعة البرامج الإسلامية، مثل: الأفلام التسجيلية والمحاضرات الدينية والمناقشات للقضايا الإسلامية المعاصرة.

كما يُعتبر شهر رمضان فرصة عظيمة ومواتية للاتفاق على إتمام الزواج بين العائلات المختلفة، ويصبح عيد الفطر المبارك مناسبة مُبهجة لإتمام هذه الفرحة، فبعد أن تقوم والدة الخاطب بتقديم شالٍ حريري مطعم بالخيوط الذهبية والفضية للعروس -كعربون محبة دائم لعروس ابنها- ويقدّم الخاطب الذي يصحب أسرته معه سوارًا ذهبيًا ثمينًا لخطيبته تعبيرًا عن حبه وإخلاصه لها.

مما أزعجني هو أني رأيت أن الحكومة التركية لا تراعي حرمة الشهر أو ترفع المشقة عن عامليها وموظفيها، فهي لا تحدث أي تقليل في ساعات العمل، بل تُصرِف العمال والموظفين في الساعة الخامسة من كل يوم وهو نفس توقيت آذان المغرب، ولكن الأمر يختلف في شركات القطاع الخاص التي تصرف عمالها قبل موعد الإفطار بساعة تقريبًا، ومن ثمَّ فقد كانت فكرة الموائد الرمضانية العامة والمجانية التي تقام في الشوارع مناسبة جدًا لخدمة الكثير من الصائمين الأتراك الذين لا يستطيعون الإفطار في بيوتهم.

[/media-credit] موائد رمضانية في تركيا​

إن ليالي رمضان في هذا البلد، وخاصة في مدينة إسطنبول مُميزة؛ فينقسم الناس إلى اتجاهين: اتجاهًا يرى في هذه الليالي أنها ليالي عبادة وطاعة، فهو يمضيها ويستغلها بين هذه وتلك وتُسمى بيتهم ب”بيوت القراءة”، وآخر يرى في تلك الليالي أنها ليالي سرور وفرح وعزف وقصف ورقص وعصف، فهو يمضيها في المقاهي وتُمسى “دور اللهو”، حيث المعازف الوترية؛ كالعود والقانون والكمنجا، وغير الوترية.

ومن نفحات هذا الشهر الكريم صلاة التراويح التي تتمتع بحب عظيم واحترام كبير عند أفراد الشعب التركي، فبعد تناول طعام الإفطار يهرع الأطفال والشباب والنساء والرجال ناحية الجوامع والمساجد لحجز الأماكن في صلاة العشاء ومن بعدها صلاة التراويح التي تتم على المذهب الحنفي. ويقوم أهل الخير من الأتراك بتوزيع الحلوى على الأطفال المشاركين في صلاة التراويح عقب انتهائها. الحقيقة أن الأتراك من أكثر الشعوب الإسلامية احترامًا وتبجيلاً لكتاب الله، فالمُصحف يوضع أعلى الكتب في المكتبات أو في مكان بارز داخل المنزل أو المكتب، ولا يقبل الأتراك بأي حال وَضعَ المصاحف بين الكتب العاديّة أيًّا كان شأنها أو قيمتها، بل يضعونه أعلاها دائمًا. ومن العادات الجميلة والمحبوبة عند الشعب التركي اهتمامهم بقراءة القرآن طيلة شهر رمضان.

وفي الختام، أرى أن هذه العادات والتقاليد من أهم ما يميز الأتراك عن باقي الشعوب في شهر رمضان المبارك، حيث تعتبر تجربة قضاء هذا الشهر الفضيل في تركيا من أجمل التجارب وأكثرها سموا روحيا، لذلك أذا كنتم تريدون القدوم إلى تركيا، فإن شهر رمضان هو فرصة مناسبة جدا لتعيشوا تجربة روحانية رائعة تشعركم بالسعادة والاطمئنان في جو نادر الوجود.

وأقول لكم بالتركي:
أهلاً بك يا شهر رمضان..Hoşgeldin Ya Şehr-i Ramazan..هوشجالدين يا شهري رمزان،
رمضان مبارك..Hayırlı Ramazanlar..هايرلي رمزانلا،
صديقكم راوي.