بين شعلة القدر وإصرار الأمل: نشأة مسرح جامعة مصر الدولية

تعرض السطور الأولى نشأة المسرح الجامعي العالمي بشكل عام والمصري بشكل خاص. وتحمل المقالة بعد ذلك رحلة كفاح طُلاب جامعة مصر الدولية في اخراج مسرح مُستقل هادف إلى جُمهور الجامعة.



اعطني خبزا ومسرحا اعطك شعبا مُثقفا- برتولت بريشت (١٨٩٨م. – ١٩٥٦م.)

إن للإنسان غريزة التمثيل منذ الصغر، ومتعتها ولذتها تكمُن من هذه العملية التي تحول الحياة إلى مسرح.

من هنا ينبع المسرح، من أصل الإنسان، من رغبته الفطرية بالتجسيد، من خياله الواسع الذي هو أصل الحياة، من الحياة نفسها. فهو تسجيلٌ مُجسد لواقع يتخّذ شكل مسرح كبير. (١)

وعلى حدّ تعبير وليم شكسبير (١٥٦٤م. – ١٦١٦م.) الذي قال: “الدنيا ركح كبير، وإن الرجال والنساء ما هم إلا لاعبوو على هذا الركح” وهكذا احتل المسرح نقطة البداية، لا في تحريك وتطوير الثقافة الشعبية فقط. بل مصدرا للشرارة التي تُلهم الإنسان العطاء وتدفعه نحو الرُقي الفكري فكان جامعا.

يُعتبر المسرح الجامعي صيغة لتقديم عروض مسرحية في إطار الجامعات، أي بتمويل من المؤسسة الجامعية وعلي مسارحها، أو لتجمع المهتمين بالمسرح في الوسط الجامعي، وفي هذه الحالة يكون المسرح الجامعي إحدى صيغ مسرح الهواة.

وهناك نوعان من فرق المسرح الجامعي؛ فرق تعمل بصفة غير مستديمة فى الغالب لتقدم عرضها فى نهاية العام الدراسي، وفرق مستديمة -عادة- ما تتبع قسم الإخراج فى الجامعات الفنية التى بها أقسام أكاديمية من هذا النوع ، وتقدم الفرق عروضها فى معظم شهور العام الدراسي مستغلة المناهج الدراسية فى التمثيل والإخراج لعرضها على الجماهير فى ظل دراسة أكاديمية.

ومصطلح المسرح الجامعي لا يعني اقتصاره على هموم طلابية عنصرية إقليمية، ولكن يعنى أن أصحابه شباب عِلِمٍ يعرض وجهة نظره فى كل ما يحيط به. فالجامعة ليست مؤسسة غريبة عن بقية مؤسسات المجتمع. ومن ثم كانت ضرورة الاحتكاك بالمجتمع أساسية.

تعود نشأة المسرح الجامعي العالمي بأصوله إلي العروض التي كان يقدمها الطلبة في الكليات والجامعات في انجلترا وفرنسا وألمانيا منذ القرن الخامس عشر. ويعود تاريخ أول مسرح جامعي مُنَظَّم إلى محاولات المسرح الجامعي الإيطالي فى مدينة بادوا Padova عام ١٩١٠.

وفي العالم العربي -أيضًا- بدأ الكثير من المسرحيين حياتهم المسرحية فى إطار الجامعة، ومنهم المخرج اللبناني روجيه عساف ،الذي وُلد عام ١٩١٤، وساهم بغزارة عام ١٩٥٦ في نشاطات المركز الجامعي للدراسات الدرامية.

ومن خلال السعي لتطوير المسرح الجامعي فى جميع أنحاء دول العالم والنهوض به، أنشئت جمعية عالمية للمسرح الجامعي بمدينة “لياج” ببلجيكا عام ١٩٩٤.

ويكمن التأريخ لبدايات المسرح الجامعي فى مصر من خلال ممارسة النشاط المسرحي داخل الحرم الجامعي لجامعة الإسكندرية، وذلك في أوائل الأربعينيات من القرن العشرين، وأبرز “صفوت شعلان” أن الفترة بين “١٩٥٨م. -١٩٦٢م.” هى أخصب فترات مسرح الجامعة حيث كان المناخ الفني والثقافي ملائما لأية حركة مسرحية ، فثمة ممثل على مستوى فني رفيع، وهناك كم من المخرجين المحترفين بالإضافة إلى عدم وجود هدف محدد أو طريق مستقل للمسرح الجامعي.
وبعد نكسة ١٩٦٧ ازدهر المسرح الجامعي مرة أخرى، وخاصة عام ١٩٦٩ وتعد تلك الفترة من أخصب فترات مسارح الهواة داخل أسوار الجامعة، والتى برز فيها الهم القومي أكثر من الهم الذاتي. (٢)

يلعب المسرح الجامعى دور مُهم جدا فى إعلاء القيم وتنمية السلوك الحضاري. بجانب أنّه يُنمّى ملكات التذوق الفنّي ويعالج شبح المُشكلات النفسية لدى الطالب. ومن المُمكن أن يُشكل مهنة موازية لدراسته الأصلية.

تغيب الفن المسرحى عن جامعة مصر الدولية بالرغم من وجود مسرح ومادة لدراسة الفن المسرحى بلا تطبيق عملّى لهذه المادة. وفي لقاء صحفي سابق قامت به الزميلة نوران مُحمد مع الدكتورة أماني النحاس أكدت فيه أن مادة الفن المسرحي في الجامعة تحتاج إلى تطوير. وأنه لا يوجد وقت للذهاب إلى المسرح لالتزامنا بمنهج مُحدد بالرغم أن الجُزء العملي مُهم جدا في هذه المادة.

وظل الغياب قائما إلى أن قرر ثلاثة شباب لا تربطهم أي صلة سوى حُبهم لهذه الأداة العظيمة وهُم شريف الزيادي، شروق أيمن ومُهرة مدحت كشعلة البداية في حرم جامعة مصر الدولية مُنذ ديسمبر ٢٠١٥. بدأ شريف الزيادي مشواره لتأسيس أول أسرة مسرحية في ديسمبر ٢٠١٥ تحت اسم “سيناريو”. وفكرت مُهرة في نفس العام لتحويل “باباراتزي” التابع لأسرة إم إم سي المعروف بMass Media  Club إلى مسرح تابع لنفس الأسرة. في حين أخذت شروق أيمن -التي كانت تُقدم عروضا مسرحية فردية كوميدية أو ما يُعرف باسم Stand Up Comedy- خطوة لتأسيس أول فريق مسرحي مُستقل في الجامعة. وعندما علمت مُهرة بخطة شروق، تحدثتا في تطوير المسرح داخل إم إم سي بما أنه كيان قائم من الأصل. وبالفعل اعترفت العلاقات العامة في الحرم بهذا الكيان وبدعمه بشرط رؤية عرض مسرحي للموافقة. ولم يقف الزيادي عن مُحاولاته التي باءت بالفشل من جانب العلاقات العامة التي قالت بأنه غير مسموح لوجود الكيانين في نفس الوقت. ولم تُجد محاولات التواصل بين الأطراف نفعا وتم رفض طلب “سيناريو”.

وفي ظُلمة الليل يبقى القمر مُضيئا لضروب الساعيين. فقبل كل ذلك بدأ كُل فصيل السعي في انجاح حلمه الأول. فبدأت شروق بتجهيز ورش للتدريب وكتابة السيناريو والحوار من الصفر، مُقتبسةً أجزاءا من مجموعة “جزمة واحدة مليئة بالأحداث” للكاتب باسم شرف تحت مظلة المسرح العبثي. وكافحت شروق وتأقلمت على الأمر الواقع. فدرست كُل ما وقع بين يديها من أصول للمسرح والتأليف والاخراج وهي في الأصل طالبة في كُلية الإعلام قسم صحافة. وبدأت مراحل قبول المُمثلين، فاختارت ٢٠ طالبا من ١٢٠ مُتقدم. وعلى الجانب الآخر بدأ “سيناريو” بمُساعدة المُخرج الشاب علاء الرحيمي ومُساعده المُخرج محمد حسن لاحياء حلم هؤلاء الشباب المؤمن بفكرة المسرح بامكانيات محدودة جدا وروح مُتقدّة باخلاص إلى الفكرة.

وفي حديث خاص مع المُخرج علاء الرحيمي، صرّح بأن فكرة المسرحية جاءت من تساؤلات عديدة تشكلت في وجدانه لجيل التسعينات والثمانينات الذي عاش عقودا من التغيرات الدرامية في شتى أجزاء الحياة. وكان عرض “١٩٨٠ وإنت طالع” للكاتب محمود جمال والمُخرج محمد جبر هو نُقطة الوصل. وبالفعل تم اقتباس أجزاء منها -بإذن من الكاتب- بتغيير المُحتوى ليتماشى مع الامكانيات المُتاحة لرسم صورة رمزية عن التغيرات الملحمية في مُجتمعنا المصري.

وبدأ الفريقين التدريب بشكل مُكثفٍ في ظل عدم الاستقرار بين إذا كان كُل فريق سيُكمل وحده أو سيتم ضمهم. وكان من المُفترض أن يكون عرض فريق إم إم سي “مولد وصاحبه غائب” يوم الاثنين الموافق ١٢ ديسمبر ٢٠١٦، وتم تأجيله أكثر من ٦ مرات. وفي ظل كُل تلك الضغوطات لم يفقد الفريق أمله. فعملوا أكثر على العرض الذي بدأ بأربعة اسكتشات مسرحية مُنفصلة وتم تطويره إلى أن وصل لعرض مسرحي كامل.

وحمل موج البحر مالم تشته سُفن “سيناريو” وتم رفض طلبه نهائيا. رُغم ذلك لم يتوقف الفريق عن التدريب الثقيل بين الفترة من ١٧يناير إلى ٣١ يناير ٢٠١٧. وهو نفسه التاريخ الذي عُرضت فيه “كمنجة” على الأساتذة والمسئولين في الجامعة. وتأجل العرض من يوم ٢٧ إلى أن خرج لعيون الجميع في ٦ مارس ٢٠١٧.

وبين ضفتي نهر الشغف، لابُد للظمئان أن يرتوي. فجمّع الإصرار بين كُلٍ من إيمي الدغري وسوزان محمود من “سيناريو” ومُهرة مدحت وشروق أيمن من “إم إم سي” لتكوين فريق واحد بشرط أن يَعرض كُل فصيل عرضه مُنفصلا. وتحدد بالفعل يوم ٢٠ فبراير ليكون الانطلاق الرسمي لمسرحية “مولد وصاحبه غائب” إلا أن العرض توقّف لوجود حالة حداد في الجامعة. وتم الدعم من الأستاذ حمدي حسن -نائب رئيس الجامعة- والعلاقات العامة لبزوغ شمس المسرح الجامعي لمسرحية “مولد وصاحبه غائب” يوم ٢٧ فبراير لتكون الأولى من نوعها في حرم جامعة مصر الدولية, بحضور جمهور ضخم من فئات الجامعة المُختلفة خصوصا الطُلاب.

وفي يوم ٦ مارس خرجت “كمنجة” كثاني عرض مسرحي رسمي في الحرم الجامعي على المسرح إلى الحشود الطُلابية الضخمة برعاية إم إم سي. ليُسجل بذلك الانطلاقة الرسمية لفريق مسرح جامعة مصر الدولية الذي فجّر مُفاجأة من العيار الثقيل على مُستوى الجامعات المصرية كُلها بعرضين مسرحيين مختلفيين من حيث المُحتوى والفرق التمثيلية في أقل من ١٠ أيام لشباب حارب ودافع بكُل شراسة عن فكرته وحلمه, مع العلم أنها كانت المرة الأولى التي يقف فيها أغلب المُمثلين على مسرحٍ أمام جمهور!

وفي تصريح خاص لإنسايدر مصر الدولية، أكدت شروق أيمن أن يوم الجمعة الموافق ٣١ مارس سيشهد عرض مسرحية “مولد وصاحبه غائب” في فعاليات مُقامة بدرب ١٧١٨ بمصر القديمة. وهُناك خطة مُستقبلية تجمع بين جميع أعضاء الفرقة في عمل مسرحي غزير آخرِ هذا العام الدراسي. وعلى الجانب الآخر يسعى علاء الرحيمي، في تصريحه الخاص لإنسايدر، إلى الوصول بذلك الفريق لمهرجان طنجة الدولي.

وهذا ختامٌ لجنين قابل الموت في رحم الأم، ليضرب به عرض الحائط، ويسعى جُلَّ السعي إلى احياء ما خُلقَ لأجله.

ومن هُنا نُنادي بأن يُبنى مسرح حقيقي مُكتمل يليق بُمستوى جامعة مصر الدولية مُحتضنا لهذه المواهب الفذة التي تستحق أكثر من ذلك. مُستَقْبِلا على أرض جامعتنا مهرجانا مسرحيا حقيقيا لكُل فئات المسارح الجامعية كما كان عام ١٩٦٧ كأول مهرجان من هذه الفئة على أرض جامعة القاهرة.

(١) أرسطو ٣٨٤ق.م – ٣٢٢ق.م

(٢) من مقال الدكتور عادل شداد بعنوان “مستقبل المسرح الجامعي في مصر” المُدرس بكلية التربية النوعية بجامعة طنطا بجريدة السلام ٢٠١٤م.