خدعوك فقالوا: هتتعلم في الجامعة

خدعوك فقالوا: هتتعلم فى الجامعة.



“عارف أنا تعبت. أنا فعلا مش قادر أكمل مبقاش عندى أى طاقة  يا ريت أقدر أسيب الجامعة.”

“تقدر تمشى؟”

”  فى الواقع لا, مقدرش. محدش قالى أن الكلية هتستهلكنى كدة  لكن بردو مش مفاجأة هو ده التعليم  و هى دى الجامعة هنعمل أيه؟ محدش بيشتغل منغير شهادة. ”

الحوار السابق هو حوارٌ دارجٌ بين طلاب الجامعة، الجميع مُنهك، فالتعليم عملية مرهقة، أليس كذلك؟ أو السؤال الأدق، هل هذا هو التعليم حقاً؟ هل اذكر مما “تعلمت” ما يتعدى الخمسين فى المئة؟ الأربعين؟ العشرين حتى؟. إذا كانت أجابتك بالسلب و إذا كنت تمر بالكثير من تلك اللحظات عندما تشك فى نفسك وقدرتك على إستيعاب مناهج الجامعة فربما تكون مثلى ومثل الكثيرين فى عُمرنا, واقع فى خدعة التعليم فى الجامعة. لقد خدعوك فقالوا: هتتعلم فى الجامعة.

 

منذ البداية

التعليم فطرة, فأنا و أنت و جميعنا قادرين على أن نتعلم أى شئ بسهولة نسبية, فمثلاً الطفل الرضيع حيث الفطرة فى أنقى صورها, لاحظ  كيف يتعلم المشى و الكلام كبداية ثم يتعلم أمور عقلية أكثر تعقيداً مثل أتخاذ القرارت و تمييز الخطأ و الصواب, يتعلم كل ذلك بشكل فطرى بحت, لم يعلمه أحد كيف يتعلم بل هى فطرة سوية خُلق بها. حتى أن أغلب الأباء ينبهرون بمهارات أطفالهم فى هذه السن الصغيرة و تأخذهم الأحلام إلى أن طفلهم هو أينشتاين القادم حتى تتحطم كل تلك الأمال على أعتاب المدرسة.

 

عندما يدخل أينشتاين المدرسة.

فى بداية طريقك فى رحلة التعليم و مع أول واجب مدرسى بأن تكتب أسمك مائه مره حتى “تتعلمه” تبدأ فطرتك السوية فى التعليم بالتشوة و بأستمرار تدرجك فى مراحل التعليم المختلفة حتى الجامعة يتحول التعليم إلى تلقين و حفظ و نقل و سباق لتحصيل أعلى الدرجات و دخول الكليات المرموقة فى المجتمع. و تصل إلى مرحلة أنك لا تعلم كيف تتعلم أصلاً, فقط تعلم كيف تحفظ و تدرس و تنجح فى الأمتحان, حتى تتخرج من الجامعة دون ان تتعلم حرفاً فما يحدث فى الجامعة يبقى فى الجامعة.

فلسفة العلم أهم من العلم نفسه.

قد يتوارد إلى ذهنك أن الخطأ فى المناهج أو فى غياب الأمكانيات و الأهمال فى أغلب مدارسنا, لكن فى الواقع الغائب عن نظامنا التعليمى هو فلسفة العلم, الغائب هو المبدأ القائل أن ” فلسفة العلم أهم من العلم نفسه” حيث أن الطريقة التى تتوصل بها إلى العلم و تتعامل بها مع هذا العلم أهم من العلم نفسه. فخذ الجامعة كمثال, تدرس و تذاكر طول العام لتحفظ منهج معين و تصبه صباً فى ورقة الأمتحان معتقداً بأن ما درسته هو الأهم , فى الواقع كل ما درسته فى كتب الجامعة سبقة العالم بعشر سنوات على الأقل و عندما تتخرج ستكتشف أن كل ما تعلمته  قد جد عليه ألف جديد أو حتى حل محله علم مختلف فلم يكن الهدف من الجامعة هو أن تدرس هذا القانون و ذاك بل أن يتكون لديك منهجية تفكير سليمة فيما يخص مجالك, أن تعلم كيف تفكر و كيف تستنج و تصل إلى ذلك القانون فذلك أهم من دراستك للقانون نفسه. الجامعة هى مكان تتعلم فيه أن تدرس بنفسك و لنفسك. لن يلقنك أحد العلم بالملعقة بل الهدف هو أن تتعلم كيف تتعلم.

حتى لا تشغلك المذاكرة عن التعليم

المذاكرة مهمة بالطبع, إذا كنت تريد التخرج من الجامعة فعليك أن تذاكر كل المعلومات التى تحتاجها كى تنجح فى الامتحان, و لكن كما وضحت سابقاُ أن فى أغلب الأحيان لن يكفى هذا و لن يعنى هذا أنك تعلمت حرفاً مما ذاكرت. فماذا الآن؟ ماذا بعد أن أدركت أنى مشكلتى تكمن فى سلسة من التعقيدات و التشويهات لفطرتى كمتعلم؟

  • تعلم كيف تتعلم. فلسفة العلم هى علم قائم بذاتة, لا أطلب منك أن تتخصص فية لكن أن يجب أن تستعيد الأساسيات المطلوبة فى التعامل مع أى محتوى علمى, أنصحك بكورس Learning how to learn متاح فى صورة MOOC  على موقع كورسيرا, أو نظير هذا المساق مقدم باللغه العربية على موقع رواق, أو بأمكانك قراءة كتب مختلفة تناقش كيفية التعلم و التفكير.
  • أستكشف عالم ال MOOC فى حالة أن تلك أول مره تتعرض إلى هذا المصطلح فدعنى أشرحة لك بأيجاز, ال MOOCs هى كورسات تعليمية فى كافة المجالات مقدمة من جامعات فى جميع أنحاء العالم, فبأمكانك دراسة المحتوى من منزلك و التقدم للأمتحان بل و تحصل على الشهادة, سيساعدك ال MOOC  على أستكشاف قدراتك و سيعلمك أن تتحمل مسئوليتك التعليمية بنفسك.
  • تعلم شيئاً وحدك. أختار لغة أو مقدمة لمجال أو حتى حرفة لطالما أردت أن تتعلمها و أبدأ وحدك و عافر حتى تتقنها دون أن يجبرك أحد أو تلتزم ألتزام مادى أو أجتماعى حتى تنهى ما بدأت, عندما تشرف أنت بحرية على عملية تعليمك بنفسك تكون وصلت لدرجة عالية من النضج, فتستكشف بنفسك كيف يعمل عقلك و كيف يستوعب. ستشعر بأنجاز رهيب عندما تلتزم بأنهاء ما بدأت أن تتعلمه من تلقاء نفسك. سيتغير عقلك و لن تصبح كما كنت.
  • صحح نيتك من تعليمك, هل حقاً تبحث عن علم ينتفع به؟ أم فقط تريد التخرج من الجامعة؟. فقط عندما تتغير الطريقة التى تنظر بها إلى رحلة التعليم فى حياتك ستصل إلى المغزى الحقيقى من الجامعة.

 

ستمر سنوات الجامعة بسرعة البرق و أنت فى خدعة التعليم حتى تنتهى الرحلة و أنت كما أنت حتى لو تخرجت بتقدير أمتياز مع مرتبة الشرف لن يعنى هذا الكثير عندما تتخرج و تدرك أنك لا تتذكر حرفاً و لا تعلم من أين تبدأ حتى, الشئ الوحيد الذى سيفصل بينك و بين زميلك الناجح بعد التخرج هو منهجية تفكير سليمة. فهلا توقفت عن المذاكرة و بدأت تتعلم؟