مقدمة: على هامش التعليم

تعليمنا هو أساسُنا, مراحل مُختلفة والمُشكلات تكثُر. و لكن يبقى سؤالى: أين الثقافة والفنون والإبداع؟ هذه السلسلة هى مُبادرة مُجتمعية, تهدف إلى النقد البنّاء للواقع الذى نعيشه يوميا ولتقديم حلولٍ تستطيع تغيير الركود والنمطية



إن العملية التعليمية صرحٌ كبير يقوم على عدّة ركائز أهمها; الطالب، المعلم، المناهج التعليمية الأكاديمية والفنون الإبداعية. كالبيت، إذا حدث خلل في الأساس تهاوى آيلا للسقوط. وهذا ما يحدُث تباعا للمشاكل المستوطنة في كل ركيزة سابقة.

تبدأ العملية التعليمية من استقبال المعلومات من العالم الخارجي عبر الحواس الخمس وتخزينها فى القشرة الدماغية. ثُم يأتي دور الفص الصدغي فى التأمل والتفكير، عملية مُعقدة تعتمد على الفهم العميق وتستحث التجديد والإبداع والاختراع. ثُم تتكون المعرفة بربط المعلومات السابقة بالحديثة. وتفعيل كُل هذه المراحل لا يؤتى ثماره إلا إذا تحولت الأشياء من النظرية إلى التطبيق العملي، وهذه تُعتبر أهم مرحلة لترسيخ المعلومات.

إذا ما علاقة التعليم بالفنون؟

إن مُعظم المناهج التعليمية تركز على المادة والمُحتوى لا على كيفية استقبال الطالب للمعلومات، ولا كيفية ترابط الفنون باستساغة المُستقبِلات، وتحويله من مُتلقى للعلم لمُحب وعاشق للمعرفة. وهنا يجب لفت النظر أن الفنون ليست فقط أدبية، بل اجتماعية وعلمية. فالتعامل مع الناس فن، كيفية توصيل المعلومة فن، التفكير المنهجي فى المواد العلمية فن، البحث العلمي فن، العمل التطوعي فن، الرياضة فن… إلخ. وهذا إن دلّ على شيء فيدُل على ماهية الفن نسبة للإنسان، وكيف يراه من منظور أوسع وأجمل وأكثر شمولية.

بوار المنظومة:

ليس كثيرا أن يأمل المصريون في تعليم مُحترمٍ لعقولهم، يُحفز الإبداع والتنوع باختلاف مراحلهم، ليس فقط العُمرية بل أيضا الثقافية والاقتصادية والجُغرافية. ليس كثيرا أن نرى تعليمنا في مكان ومكانةٍ أسمى. أُهمِلَ التعليم طوال أعوام كثيرة وجميعنا يعلم ذلك، واكتفينا بترديد عبارة “أن بدون التعليم لن يقومَ الوطن” دون العمل في ايٍ من اتجاهاتها. ولم يقتصر ذلك فقط على الفهم الخاطئ للتعليم باكتفائه أكاديميا، فأُهملت الثقافة والفنون وغيرها من المجالات التي تُبنى على أعتابها الشباب.

إن التعليم وسيلة وليست غاية، وسيلة تحصيلية جامعة، تشتركُ فيها العديد من النواميس والقوانين فى ربطها. تتشابك فيها علوم النفس والاجتماع بعلوم وظائف الأعضاء الحيوية البحتة. تنطلقُ منها سياسات التعامل مع سيكولوجية المُجتمع المُحيط. يحملكَ التعليم إلى حضارة ما بين المكتبتين; مكتبة الأوراق ومكتبة التفاعل.

فلن يتقدم التعليم إلا إذا خرجنا خارج إطار الشهادات والأوراق -وهذه معلومة يعلمها كل شخص في هذا الوطن-إلى مُحيطات الفنون; تفاعلا وإبداعا وابتكارا!

التعليم الجامعي:

مراحل التعليم مُتعددة، من رياض الأطفال إلى التعليم الابتدائي فالثانوي فالجامعي. ولكن اهتمامنا في هذه السلسلة سيدور حول الطالب الجامعي. إذ أن مرحلة الجامعة مرحلة شِبه فاصلة فى حياة الكثيرين. تتحول من مُجرد مرحلة إنتقالية لشرارات إبداعية وبراكين إبتكارية ثائرة، أو إلى مرحلة تنهش بالألباب والأفئدة بل وتفتك بهم. فأين أصبحت الفنون والندوات؟ أين الموسيقى والمسرح؟ أين فنون التعامل؟ أين التطوع؟ أين الأدب المصرى الأصيل؟ أين تذهب ثقافتنا؟ كيف تُهمّشُ عقولنا؟ كيف ننجرف خلف إدعاءاتٍ تُخفى أصلنا؟ أين المواد الإختيارية التى تُحفّز الإبداع لدى الطالب وتستفز فكرُه لكى يصل إلى مرحلة أعلى وأوسع؟

الفنون ومواكبة العصر:

وبسبب تخلف دور الثقافة والفنون والإبداع فى الحياة الجامعية المصرية فمواكبة العصر أصبحت أصعب في المجالات التى تُبنى عليها الأمم. نحن نتراجع ونُكسّر أعمدة ثقافتنا ونهدم أطلال إنجازات حضارتنا، لكي نبكى ويضحك على بكائنا الآخرون. إننا بصدد حركةٍ عالمية لمحو ثقافتنا وإزالة مُجتمعنا وتبوير عقولنا، بصددِ عولمةٍ ثقافية ستغزو -بل بالفِعل تغزو-ألبابنا وتلتهم أسرار كينوناتِنا!

إنني انتقد وبشدة دور الجامعات المصرية فى عدم إخراج وتنوير العقول بالفنون والثقافة، مما يؤثر سلبا على مستوى الطالب فى التعبير عن ذاته فنيّا فى إطار تربوى مُحترم. ومع إختفاء دور الثقافة والفن وإبداء الرأى والإبداع، تختفى تدريجيا حياة الطالب!

ولا أستطيع أبدا أن اُهمل بعض المُبادرات التى تقوم بها بعض الجهات الوزارية الثقافية التعليمية والخاصة فى هذا المجال وسنُسلط عليها الضوء فى مقالات أخرى لاحقا.
فى سلسلة مقالات ستُنشر بإذن الله تعالى سنتحدث فيها عن علاقة وماهية الفنون والإبداع بالطالب. سنناقش فيها بعض القضايا التي تمس الطالب الجامعي، سنُقدّم حلول عملية لعلاج المُشكلات الموجودة، سواء فعلية، قصيرة المدى أو طويلة المدى. سنُساعد الطالب والجامعة فى الاستفادة من كُل الطاقات الشبابية المُتقدّة، التى مما لا شك فيه تستطيع أن تأخُذ هذا الكيان إلى مكانٍ أسمى وأرقى!

وأخيرا نقول إن العملية التعليمية يا سادة عملية مُتكاملة، يجب أن تتداخل فيها علوم العقل بعلوم القلب، يجب أن تتشابك فيها أصابع البديع بالبيان، ويجب أن تفتح آفاق التفكير المُختلفة، ليس فقط للطالب، بل للأهل والأُستاذ والمُعلم!

فالهدف الأساسي من هذه السلسلة هو النقد البنّاء للواقع الذى نعيشه يوميا في حياتنا الجامعية التعليمية.