زي الناس .. عودة للاستثناء بدلًا من القاعدة

لازال المسرح باقيًا مادام هناك مبدعون ، ومادام هناك جمهور لازال يتسطيع معرفة العمل الجيد من العمل المبتذل . ربما كانت فترة طويلة التى تمكن فيها الفن غير الهادف أن يصبح "القاعدة" ، ولكن



على خشبة مسرح مركز الإبداع الفنى بدار الأوبرا المصرية بالقاهرة ، تُترجم لنا أشهر مسرحيات الكاتب المسرحى الألمانى برتولد بريخت ” القاعدة والاستثناء” ابتداءً من 1 أغسطس ولمدة خمسة أيام .

تدعو(القاعدة والاستثناء ) – بكل بساطة – للعودة للقاعدة التى أصبحت استثناءً بأسلوب مباشر ليس فيه من الذهنية شئ ؛ فالشخصيات ليست مركبة أو محيرة ، من الواضح أن الشر وقوة النفوذ يتمثلا فى شخصيات ، وقلة الحيلة والخير يتمثلا فى شخصيات أخرى . فهى مسرحية تعليمية مباشرة رسالتها لا تحتاج إلى شرح أو توضيح ، ربما وضوحها يُشبه وضوح رسالتها؛ يُشبه وضوح الشر فى مجتمعنا وطغيانه على الخير فهى تشرح واقعنا كما لو كانت كُتبت فى هذا الزمن ، ولكن ربما لوكانت عُرضت كما هي لكانت عرضًا هادئًا يحمل فكرة ولكن يفتقر إلى المقومات التى تجعله يلقى رواجًا جماهيريًا بعد تجسيد الممثلين له .

وهنا يأتى دور الإبداع ؛ هنا تأتى رؤية المخرج المبدع ” هانى عفيفي” وارتجالات الفنانين هشام إسماعيل (التاجر) وأحمد السلكاوى (القاضى) لتضفى على النص ما يلزم العرض المسرحى من ابتكار وإطلاق العنان لشخصية الممثل لتحرك الشخصية المسرحية التى يجسدها كما يراها لتخرج للمشاهد متناسقة تمامًا معه . احتفظ المخرج ببساطة النص فكرةً وتطبيقًا ؛ التاجر يقطع الصحراء ومعه العاملان لديه ، الدليل والحمَّال – جريًا فى أماكنهم على المسرح – بحثًا عن الزيت في باطن الأرض، فى إشارة للطبقية يحتقرالتاجر عامليه لإعتقاده أنهما أدنى منه ، وتتخلل مشاهد القصة التى تُجسد باللغة العربية ، مونولوجات للممثلين موجهة للجمهور باللغة العامية تشرح فيها كل شخصية مشاعرها ومخاوفها و أفكارها .

تنتقل بنا أحداث المسرحية المتتابعة – ملقية الضوء على قضايا مثل الطبقية كما أشرنا ، والرشوة و استخدام السلطة والنفوذ و الظلم إلى آخره ، إلى كل هذا الشر فى التاجر إلى شك من خادميه – فكيف لا يقتلاه وهو الذى لا يكف عن ذلهم ومعاملتهم بطريقة وحشية ؟- إلى جريمة القتل التى بدورها ستكون بداية الصدمة أن كل هذا الفساد الأخلاقى الذى يدفعنا للسلبية والشك وربما الجريمة أصبح القاعدة ، والعكس هو ما يعتبر الاستثناء أو ” حماقة ” كما جاء على لسان التاجر .

 

الاستثناء الحقيقى فى هذا العرض هو معالجة النص بهذا الشكل ؛ الحق أن تركيبة العرض بما يحتويه من حوارات باللغة العربية وأخرى بالعامية ، وخروج عن النص ممنهج وغير ثقيل ، واستخدام الكمان والإيقاع والأزياء المتناسقة الألوان من كل تفاصيل العرض كان استثناءًا حقيقيًا . أما عن الكوميديا فى العرض فكانت قوية ، فالارتجال المنظم غير العبثى ، والشخصيات الغير نمطية وغير مألوفة بعثوا الضحك بلا انقطاع طوال مدة العرض ، فقد عالج العرض أزمة الأخلاق علاجًا ” استثنائيُا ” بالضحك . العرض من إخراج هانى هفيفى ، تمثيل هشام إسماعيل ، أحمد السلكاوى ، شادى عبد السلام ، ماهر محمود ، سارة عادل ، سارة هريدى . لازال المسرح باقيًا مادام هناك مبدعون ، ومادام هناك جمهور لازال يتسطيع معرفة العمل الجيد من العمل المبتذل . ربما كانت فترة طويلة التى تمكن فيها الفن غير الهادف أن يصبح “القاعدة” ، ولكن لا تكن “زى الناس” وانصر الاستثناء إذا كان هو الحق .