هل حقاً نعلم الخطأ من الصواب؟

ماذا لو كانت الطريقة التى تدرك بها الخطأ و الصواب ليست دعنا نقول "سليمة"؟ ماذا لو كنت تحتاج إلى أن تُفكر أكثر؟ أن تتوقف للحظة عن" بذل" كل ما بوسعك و"تفكر" فى كل ما



لدى كل منا مجموعة من المبادئ و المسلمات التى تربينا عليها التى تجعلك تفترض انك تميز بوضوح الخطأ من الصواب، ما قد يُلخص فى جدالٍ عن الأخلاق بكلمتين ” تربيتى متسمحليش” أو ما أحب أن أطلق عليه “كتالوج الحياة” الذي أهداه إليك آخرون (أهلك –المجتمع-المدرسة-أعز صديق) لكي يساعدك فى حياتك اليومية على اتخاذ القرارت. دعنا نختبر مدى صحة هذا الكتالوج وفكر معي في الخطأ والصواب في كل من المواقف الآتية.

فلنفترض أنك سائق لقطار ترولى يسير بسرعه ٦٠ ميل/ساعة و فى نهاية السكة تلاحظ وجود خمسة عمال يعملون فى الطريق، تحاول لفت أنتبهاهم لا ينتبهون، تحاول إيقاف القطار لكن المكابح تعطلت، و الآن أنت تعلم أنك لا محالة ستقتل الخمسة أشخاص! ثم تلاحظ وجود سكة فرعية فى نهايتها يوجد عامل واحد، مقُود عربتك يعمل بإمكانك أن تختار أن تغير اتجاهك وتقتل ذلك العامل لكي يحيى الخمسة عمال الآخرين. هل كنت لتغير اتجاهك؟ ما هو الاختيار الصواب؟

الأغلبية ستختار أن تغير مسارها وتقتل رجل واحد فى مقابل إنقاذ حياة الخمسة رجال، لأنه وببساطة لماذا تقتل خمسة رجال إذا كان بإمكانك أن تقتل رجل واحد فقط؟ منطقى أليس كذلك؟

الآن فلنفترض إنك لست السائق، أنت مُتفرج من فوق جسر على ذلك المشهد حيث القطار المسرع الذي على وشك أن يستطدم بالخمسة عمال وتشعر بالأسف الشديد لأنه فى لحظات ستترمل خمسة نساء وييتم أولادهن وتبكي إلى بقية العمر أمهات الخمسة أشخاص! بعد ثواني لن يصبح العالم كما هو لخمسة عائلات ثم تلاحظ أنه ينحنى من على الجسر إلى جانبك رجل سمين جداً، إذا دفعته دفعة قوية فسيسقط بالضبط فى مسار القطار فيستطدم به هو بدل الخمسة أشخاص ويقتله هو لكن فى المقابل يحيى خمسة رجال آخرون وتتخلى عن صورة عائلاتهم الحزينة فى مقابل عائلة واحدة حزينة. هل كنت لتدفعه؟ ما هو الصواب؟

الأغلبية ستشعر بالسوء تجاه فكرة قتل الرجل و لن تدفعة، إذن ماذا حل بالمبدأ القائل إنه من الأفضل أن تنقذ حياة خمسة أشخاص حتى لو ستقتل رجل واحد؟

الآن فلنتخيل وضع مختلف أنت طبيب فى غرفة الطوارئ ويأتى إليك ستة مصابين من حادث استصدام قطار رهيب، أحدهم حالته سيئة للغاية وقد تستغرق اليوم بأكلمه لتنقذ حياته وبينما أنت تنقذ حياته يموت الخمسة الأخرون أو تتركه يموت وتذهب لمداوة الخمسة الآخرين، مرة أخرى ماذا ستختار؟ هل من الصواب أن يموت الشخص المصاب أصابه بالغة فقط كي يحيى خمسة آخرون؟ هل لك أنت تتخذ القرار بأن حياة الخمسة مصابين أهم من حياة الرجل المصاب أصابه بالغة؟ هل من الخطأ أن تنقذه وتتركهم يموتوا؟

مرة أخرى تعتقد الأغلبية أن حياة فرد أهم من حياه خمسة أفراد فالأفضل هو أن تنظر إلى النتيجة النهائية وتختار ما يعم بالنفع على عدد أكبر من الناس هذا هو التصرف الـ”أخلاقي”.

هذه المرة أنت جراح نقل أعضاء لديك خمسة حالات يائسة كل منهم يحتاج عضو مختلف ولا يوجد متبرعين فى الغرفة المجاورة شاب سليم جاء للفحص الدوري ومستلقي في قيلولة في انتظار الفحص التالي هل كنت لتقتله حتى تنقذ الخمسة حالات الأخرى؟

أعتقد انك تفهم التسلسل وتعلم ماذا أختارت الأغلبية متجاهلةً فكرة النتيجة النهائية وهي منفعة أكثر حيث يحيى خمسة ويموت واحد.

الأربعة مسائل الفرضية السابقة كانت افتتاحية لمساق عن العدالة بجامعة هارفرد، يتحدث المساق عن الفلسفة الأخلاقية والسياسية إذا كنت مهتم بمعرفة المغزى وراء تلك المسائل الفلسفية الصعبة وتبحث عن إجابة لسؤال “أين الصواب؟” فتفقد هذا المساق المقدم من جامعة هارفرد:

الآن عودة إلى عنوان المقال هل حقًا نعلم الخطأ من الصواب؟ الأسهل أن تكون الإجابة نعم،  في هذه الحالة لن تضطر إلى التشكيك في كل قرارتك وكل ما تعتقد به كل صباح، ستنعم بالهدوء والاستقرار أليس هذا كل ما نطمح إليه في نهاية الأمر؟ حياة هادئة مستقرة تعتقد فيها بأنك شخصٌ “جيد” لا أكثر ولا أقل فقط الشعور بالرضا عن النفس أنك تفعل “كل ما بوسعك”. لكن ماذا لو كان ما تعتقده به ليس صحيحًا مئة بالمئة .. ماذا لو كانت الطريقة التى تدرك بها الخطأ والصواب ليست دعنا نقول “سليمة”؟ ماذا لو كنت تحتاج إلى أن تُفكر أكثر؟ أن تتوقف للحظة عن” بذل” كل ما بوسعك و”تفكر” فى كل ما بوسعك أن تفعله إذا لم تكن مشغولًا بالتعايش مع المسلمات التي لم تفكر بها قط. ماذا لو رأيت العالم من نفس منظور لا أحد، بل رأيته من منظورك أنت الفقير المميز جدا، ماذا لو “تفلسفت” قليلًا؟ ومن يعلم ربما ينتهي بك الأمر بأن تحظى بما هو أكثر قليلاً من أن تكون شخص “جيد” أو ربما تحظى بحصة زيادة من الصداع لا أكثر ولا أقل.. أنا لا أعدك بشيء! أنا فقط اطلب منك التفكير… أن تعدنى إنك وفي نهاية هذا المقال ستفكر فيما قرأت ستشغل بالك بفكرة إنك ربما لا تكون “على صواب” فى طريقتك بل دعني أقول فلسفتك فى الحياة. ترى أنا لا أطلب الكثير فقط القليل من التفكير!