قصر البارون: الطابقُ الأول: التضارُب

مُنذ رأتهُم تخبطت حياتُها. وإلى أن صارت صديقتها المُقربة بالونه, تأكُل النار وَجدَها, فهل تُجدي؟



 “أيحقُّ لكِ أن تدخُلي هكذا بلا إذن من صاحبِ القصر” سألت أُرجوان مُستنكرة

 بإبتسامة خفيفة قالت نوران “لا أحدَ يقطُنُ هُنا”

“كيف ذلك؟”

  مات صاحبُ هذا القصر مُنذ سبعة وثمانين عامًا تقريبًا” كان ردُ نوران سريعا واثقا!

لا أعلمُ صدقًا إن كُنت صحيحة سالمة العقل، أم أنّى لستُ أنا، أم إنها ذاكرتي تتمتع بكمٍ كبير من التضارُب والخيال، كيف” مات رجلٌ سمعتُ صوته في الصباح مُنذ قُرابة التسعين عاما، كيف بحقّ السماء تصمُت البالونة الآن وأنا أشدُ إحتياجًا لها من ذي قبل، كيف لهذه الشابة أن تدخُل هذا المكان؟ دارت العبارات مُتصارعةً فى رأس أُرجوان ثُم…

“يا نوران حدثيني، من أنتِ؟ و ماذا جاء بكِ إلى هُنا؟”

“قُلتِ  لي ما اسمُك؟”

“أُرجوان”

“أمّا عنّي يا زهرة الخريف، فأنا مصريةُ الأصل والمنشأ، أدرُس التجارة ولكنها لا تعنيني، أعشقُ الفن عشقًا. فهو نوع من إنعكاس جمالِ الكون بين أيدينا. أعملُ بالمشغولات اليدوية وأحمل معي منها شيئا لكي.”

“أمّا ما الذي جاء بي إلى هُنا؟ أتعلمين أن لكُل مكان حضرتُهُ؟ له مهابته وقُدسيتُه، كما أنّي أهوى الفن الشرقي، وهذا القصرُ تجسيدٌ حيّ لأصالة البناء فى ذلك الوقت. فلو تعلمين, إن البارون إدوارد إمبان سافر كثيرا, وشغلتُه فنون الشرق ومعابدها, خاصة تلك بكامبوديا وأوريسا “أو أوديشا”. فاتصّل بصديقه ألكساندر مارسيل لتصميمه”

أمّا عن أرجوان فنظرت إلى بالونتها بلهفة, وَدّت لو نطقَت, لو قالت أي شئ, لكنّها غدت بلا حياة مُستكينة بجانبها. حدثّت نفسها ولم تسمعها نوران لأنها مشّت تستكشُف الطابق الأول فى القصر.. صالات ضخمة تحتوي على عدد كبير من الأبواب والشُرفات مُشيدةٌ بدقّة وعناية مُتناهية. جَرَتْ أرجوان خلف نوران لكنها اصطدمت بتمثالٍ رفيع الصُنع من التماثيل الهندية, وهُنا ساعدتها نوران على النهوض وقالت “نحنُ فى قاعة المائدة, حيثُ توزعت رسوم مأخوذة من مايكل آنجلو ودا فينشي ورامبرانت وحمل كل ركن من أركان الأربعة عمودا يحمل تمثالاً قوّيُ القَسمات”.

أخذّت الشمعة ودَخلَت من باب شاهق إلى الغُرفة المُجاورة للصالة،  قرفصت على الباركيه المؤسسِ للأرض وهُنا سَرحَت عيونها، لم تكُن تعلمُ أنها بأحد الحمامات فأشكال البلاطات المصنوعة من الفُسيفساء[1] ذات الألوان الزرقاء والبُرتقالية جذبتها جذبًا! ظلت ساكنّة، عبراتُها تنسابُ على خدهّا النَيّر تُناجي صديقتها التي اعتزمت الصمت رُغمّا عنها

“يا بالونتي، قولي لي، متى أنا؟ اجيبيني بصدق، فأنا لم أعهد الكذب..”

احتدم صراعُ العَبرات إلى أن وَقفت إحدى العبرات فقالت “يا بالونة، ثكَّلتِها نفسَها، حرامٌ عليكِ ما صنعتِ”

فاقتربت البالونةُ منها خفيّة “يا صغيرتي، اذهبّي إلى السرداب، اطرُقي الأرضَ ثلاثًا، واُدخلي، سينتظرُكِ هُناك”

ُ”من سينتظرني؟” سألت أُرجوان

 “صاحبُ الفخامة، يحكي لكى إن لم تُصدقيني” أجابت البالونة

“صَدَّقتُكي، لكنّي لا اُصدقُ أنه مات، رأيتُه بأُم عيني صباحا”

“فرقُ الزمان”

“لا وألفُ لا, فرقُ ماذا الذي تتحدثين عنه، مُنذ رأيتهما فى شُرفة القصر البشتاكي وحياتي إنقلبت رأسًا على عَقِب، وإذا بهذه السيدة تقول لي أنها ابنةُ الحاضر، وانتِ تقفين بجواري صامتة! لا أعلمُ لكي أيضا أصلًا ولا فَصل، ووثقت فيكي…”

“ماذا بكِ يا أرجوان؟ سمعتُكِ تصرُخين فجئتُ مُسرعة!” سألت نوران مُضطربةً

أمسكَت أرجوان رأسها، ودَّ لو هشمتُه، كيف لها أن تَعْقِلَ كُل ما يحدُثُ فى آنٍ واحد!

أنينٌ ظاهرٌ على قسمات وجهها، بصوتٍ مفزوع “يا سيدتي، صوتي ضاع واختنقَ الكلام، لم اُصبِح وراء الصمت شيئا سوى حُطام! مجنونةٌ قولي فدعيني أحملُ بعض أحلامي وأمضي فى وئام” (يُتبَع)

[1] هو فن وحرفة صناعة المكعبات الصغيرة واستعمالها في زخرفة وتزيين الفراغات الأرضية والجدارية عن طريق تثبيتها بالملاط فوق الأسطح الناعمة وتشكيل التصاميم المتنوعة ذات الألوان المختلفة، ويمكن استخدام مواد متنوعة مثل الحجارة والمعادن والزجاج والأصداف وغيرها. وفي العادة يتم توزيع الحبيبات الملونة المصنوعة من تلك المواد بشكل فني ليعبر عن قيم دينية وحضارية وفنية بأسلوب فني مؤثر.وهو من أقدم فنون التصوير.