بناء كوبري جديد في منطقة مصر الجديدة وغضب الكثيرين

هل من منقذ ؟



تلقى سكان مصر الجديدة في بداية الأسبوع الماضي قرارًا مليئًا بالحزن والأسى، وهو بناء كوبري جديد يدعى “كوبري البازيليك”. يتراوح طول هذا الكوبري من 2-3 أمتار تقريبًا، وسيمتد من ميدان الإسماعيلية مرورًا بمنطقة صلاح الدين وكنيسة البازيليك وشارع الأهرام وينتهي عند نادي هليوبليس.

استاء جميع سكان مصر الجديدة من بناء هذا الكوبري، نظرًا لما سيسببه من تشويه لأهم منطقة أثرية وتاريخية في مصر الجديدة، ولما تحتوي عليه هذه المنطقة من عمارات ومباني تراثية مليئة بالجمال، وثلاث كنائس تراثية تعدى بناء كل منها المائة عام.

 

فكيف نزيل الحدائق والأشجار ونبني الكباري مكانها؟ كيف نشوه أماكن عِشنا بها طفولتنا؟ هل أصبح السعي للمستقبل والتطور هو هدم الماضي والحاضر؟

يرى جميع السكان أن مشروع بناء الكوبري غير ضروري لتحسين المرور، لأن حالة المرور تعتبر مقبولة إلى حد ما وأن الحفاظ على المناطق التراثية أهم بكثير من تحسين المرور. كما أن هذه المنطقة تم تطويرها بالفعل من أقل من سنة ولا تعاني من أية اختناقات مرورية وأن بناء الكوبري سيعيد هدم ما تم تطويره للأفضل والذي يعتبر إهدارًا للوقت والمال.

ويؤكد الكثيرون أن هذه المنطقة تراثية وتاريخية لأبعد الحدود ومُسجلة “كمنطقة تراثية فئة (أ)”،  وأن هذا المشروع مخالف تمامًا لاشتراطات منطقة مصر الجديدة التراثية التي نُشرت بقرار من رئيس الوزراء في يناير 2014، كما أنه مخالف لقانون حماية المناطق التراثية.

 

صرح عمرو السنباطي، عضو مجلس النواب عن مصر الجديدة ومدينة نصر، أنه تقدم بطلب رسمي إلى مسئولي المحافظة للاستفسار عن بناء هذا الكوبري، وأكد أننا يجب علينا حماية المنطقة قدر المستطاع بسبب مكانتها التاريخية وعراقتها.

كما أضاف أنه تلقى العديد من الاستغاثات عبر صفحته والعديد من الاتصالات التليفونية المستاءة تمامًا مما يحدث، كما ذكر أنه قام بزيارة موقع الكوبري مع أحد أعضاء جمعية محبي مصر الجديدة وبعض الأشخاص المحبين للتراث للتحقق من الأمر، وليكن لديه فكرة واضحة ودقيقة عن هذا المشروع.

وأضاف السنباطي أيضًا أن بعد التحدث إلى المسؤولين تأكد أن الكوبري سيقام بالفعل مع وضع تعديل بسيط لتجنب مرور فرعي بجوار الكنيسة.

وأكد أيضًا أن مرور الكوبري بمنطقة أثرية بجوار البازيليك سيمثل ضرر حضاري كبير على المنطقة، وعلى الرغم من تأييده لتطوير الشوارع والسعي إلى سيولة المرور، إلا أنه يرى أن أي مشروع للتطوير يجب أن يكون ضروريًا وليس مجرد إضافة لا قيمة لها.

صرح الحزب المصري الديمقراطي عن مدى قلقه من إقامة المشاريع وبناء العقارات التي تتجاهل القيمة الأثرية وتطمس معالم الوطن، كما طالب الحزب وزارة السياحة والآثار ووزارة الإدارة المحلية ومحافظ القاهرة بوقف هذا المشروع.

وأضاف الحزب أيضًا: “عبَّرنا سابقًا عن احتجاجنا على هدم أجزاء من مساجد ومقابر القاهرة المملوكية، وها نحن أمام هجمة أخرى تتمثل في مشروع بناء كوبري يحجب ويشوه صورة معلم حضاري هام، وهو كنيسة البازيليك التي بُنيت عام 1910 لتتوسط عدة طرق محورية في حي مصر الجديدة البديع، ويتزامن هذا مع قرار لا يقل خطورة على التراث الوطني، وهو هدم قصر برسوم باشا حنا أحد زعماء ثورة 1919 والمبني في نفس الحقبة الزمنية التي بُنيت فيها البازيليك لصالح بعض مشاريع التطوير العقاري”

أعرب الدكتور محمد أبو الغار عن أن بناء هذا الكوبري يعتبر كارثة وتدمير كل ما هو جميل في القاهرة، وعلى الرغم من أزمات المرور في لندن وباريس لكن لا أحد يفعل ما نفعله نحن الآن، وهو يرى أن إقامة الطرق السريعة والكباري العلوية يجب أن تكون حول المدن في طرق دائرية أو خارج المدن في الطرق السريعة.

وأقيمت مبادرة “تراث مصر الجديدة” على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وجددت مقترحاتها التي قدمتها منذ 2013 إلى الحكومة، وتشمل هذه المقترحات منع وقوف السيارات وإقامة “الجراچات” تحت الأرض في شارع صلاح الدين ويجب توقف الحفر بجانب المباني القديمة حتى لا تكرر تجربة منطقة الزمالك، كما بدأوا بجمع التوقعيات التي تعبر عن الرفض التام لبناء الكوبري والتعبير عن آرائهم ضد هذا المشروع.

وبدأ الجميع على مواقع التواصل الاجتماعي التعبير عن غضبهم من بناء الكوبري فقام البعض بتغيير صوره الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك اعتراضًا على الأمر.

 

 

ودَعت كنيسة البازليك أبناء رعيتها للصيام والصلاة لمدة ثلاثة أيام.

بالإضافة إلى بعض السخرية من “ماذا عن بناء هذه الكباري في الأهرامات والأماكن السياحية؟ وعن فتح فروع كثيرة من (CircleK)”

يعتبر حي مصر الجديدة أكثر الأحياء في مصر الذي ظل محتفظًا بمعالمه التاريخية خاليًا من المشاكل لمدة تزيد عن مائة عام، كان كل شيء في الحي يتم بحساب، فلا يمكن البناء بشكل عشوائي أو كسر القواعد التي وُضعت ليصبح الحي مختلف عن باقي الأحياء، وعلى الرغم من ذلك لم يسلم هذا الحي من بعض الأحداث التي عكرت صفو الأهالي.

فى بداية الأمر، تعرضت بعض الشوارع إلى التشويه والهدم والازدحام وندرة أماكن الانتظار، وفي أكتوبر 2014 بدأت أولى مراحل إزالة ترام مصر الجديدة وجميع قضبانه لتوسيع الشوارع واعتبار هذا الأمر أحد الحلول لمشكلة المرور في المنطقة.

وكانت هذه البداية، وهي الاستغناء عن وسيلة مواصلات تراثية دامت مائة عام، والتي كان تعتبر وسيلة مواصلات رخيصة السعر وصديقة للبيئة وسريعة التنقل بدلًا من المشي في الشوارع المزدحمة المليئة بالسيارات، إلى أن وصلنا إلى بناء العديد من الكباري في المنطقة من أجل توسيع الشوارع وتيسير حركة المرور.

ومن جانب آخر، وعلى الرغم من محاولات الدولة لتحسين المرور إلا أن الأهالي ظلوا يعبرون عن مخاوفهم من هذه التجديدات والكباري التي تطمس الهوية وتاريخ المنطقة بأكملها، وخاصة القاطنين بالقرب من الكباري الجديدة الذين يعانون من اختفاء الشكل الجمالى تحت هذه الكباري.

 

مصر الجديدة هي من أعرق المناطق في القاهرة، كل ركن وميدان يمثل قيمة لا مثيل لها ويعتبر المشي فى شوارعها الجميلة المليئة بالأشجار ووسط المباني القديمة نزهة لا مثيل لها.

أتذكر حين كنت أمشي مع أصدقائي في هذه الشوارع عند العودة من الجامعة وكم كانت تتعالى أصوات ضحكاتنا بعد يومٍ طويل ومتعب فى ميدان الإسماعيلية وصلاح الدين وشارع رشيد، كان التنزه في شارع الكوربة كل أسبوع وسيلة لأخذ قسط من الراحة من الدراسة، ولا يمكن الشعور بالملل إطلاقًا بالمشي في هذه الشوارع ففي كل شارع ذكرى، وفي كل ميدان حكاية.

من الممكن السعي إلى تطوير الطرق إلى الأفضل لكن الحفاظ على التراث أهم بكثير من التطوير لأنه هوية الشعب وتاريخ الأمة.

لذلك يا عزيزي القارئ هل يستحق هذا الجمال أن يتشوه؟