طلاب يجنون آثار إهمال الآخرين أثناء رحلتهم

تخطي الطلاب الأزمة بمساندة بعضهم البعض وسط استهتار المسؤولين



شاهدنا -نحن طلبة الفرقة الخامسة لكلية الصيدلة بجامعة مصر الدولية- حادثًا مؤسفًا أثناء رحلتنا بمدينتي الأقصر وأسوان، حيث أنه في يوم السابع عشر من يناير الحالي وفي آخر ليلة قضيناها على متن كروز السلطان حسن -كنج توت 2 سابقًا- والتي كثُرت الأقاويل عن سبب تغيير اسمها، ويميل أكثرها لحدوث مشاكل في السابق ولم يُبلِغ عنها أحد.

في ذلك اليوم شعر البعض منّا بإعياء ومغص وبدأوا يحاولون تدارك الوضع والاستعانة بالأدوية التي لديهم وبما درسوه، ولكن أصبحت الحالات تتزايد في عددها وشدتها حتى جاءت الساعة الثالثة فجرًا وأصبحت الحالات في سوء شديد..

لم يتوقف الحال على الإعياء، بل أن حالةً منهم أصابتها تشنجات وتطلب الأمر إحضار طبيب والذي كان رد فعله في شدة الغرابة إذ يقول أنها مجرد “انهيار عصبي مع البرودة الشديدة” وأعطاها حقنة مهدئة وأخرى لعلاج القىء، وبالنسبة للآخرين من الحالات فقد قام بوصف بعض المضادات الحيوية وحقن للقىء وتركهم..

حتى جاء صباح اليوم التالي وبدأت الحالات في تزايد آخر، وأصبح -الذين كانوا يظنون أنها مجرد أعراض برد وأنهم فقط المصابين بها- يعلمون أن هناك خطب ما، بالإضافة إلى عدم تحسن الحالات.
وفوجئنا بمطالبة الكروز بمغادرتنا الغرف حتى يستطيعوا تسكين الأفواج القادمة مما أثار استياء الطلبة جميعهم، وطالبنا بتوفير غرف للمرضى وقام مندوب الشركة التابعين لها أيضًا بمطالبة الإدارة بتوفير غرف لهم، وأصبحت المشاحنات في تزايد والطلبة تساعد بعضها البعض بإحضار المشروبات والقيام بالكمادات ومساعدة أصدقائهم وزملائهم في غياب تام وبرود شديد من إدارة الكروز متبادلين معهم الحديث عن أنها أعراض برد ليس أكثر، وأنه بسبب سهرهم وتعرضهم للبرد وغيرها من المبررات التي لا أساس لها من الصحة، متناسيين أنهم على وشك التخرج كصيادلة ولديهم معلومات علمية سليمة ومعرفة قوية.

ومع مرور الوقت كانت الحالات تسوء وأصبحوا معرضين لجفاف شديد مع ارتفاع درجات حرارتهم، والبعض أُصيب بصعوبة في التنفس حتى قاموا باستدعاء سيارات الإسعاف ونُقل 6 كحالات خطرة، وآخرون نُقلوا في كوستر إلى المستشفى.
حتى بعد عملية النقل تلك كانت الحالات تزداد ويظهر على البعض الآخر الأعراض، وقاموا باللحاق بأصدقائهم للمستشفى في غياب تام لإدارة الكروز ومساندة ومساعدة كاملة من الطلبة لبعضها البعض، وكان كل ما يهم الإدارة أن يقوموا بإخلاء الكروز منعًا للضوضاء والمشاكل حتى يستطيعوا استقبال الأفواج القادمة.

وعند وصول الحالات إلى مستشفى الأقصر العام الحكومي، والتي كان تبعد عن الكروز بحوالي النصف ساعة.. فلكم أن تتخيلوا كم المعاناة التي واجهها أولئك الطلبة حتى بعد وصولهم المستشفى، وكان كل ما صرحت به الطبيبة المباشرة لحالتهم -بعد عملية مدهم بمحاليل؛ لإنقاذ ضغطهم وأجسادهم من الجفاف- أنها مجرد حالات بسبب البرد أو تناولهم لوجبات حارة، مما ينافي الواقع تمامًا.

وأُلحق ذلك كتقرير طبي ولكن طبيًا لا يمكن الجزم بأنها نزلة معوية وليست تسمم بدون التحاليل اللازمة فكيف أُثبت ذلك بتلك السرعة بدون الفحوصات اللازمة؟
لذلك قمنا بإبلاغ شرطة السياحة وعمل محضر 147 لسنة 2020 إداري مركز الأقصر.
ولم تكن تلك شكوانا كطلبة فقط، بل أشخاص آخرين تابعين لشركة أخرى على متن الكروز شعروا بتلك الأعراض أيضًا، واختلفت كل الحالات في شدة ومدة تعبها ولكن لم يختلف أحد في صعوبة ذلك اليوم وتلك الليلة على الجميع..

ولم يتوقف الأمر ولم تتوقف معاناتهم عند هذا الحد بل ظهرت الأعراض على البعض الآخر عقب وصولهم القاهرة وذهبوا للمستشفيات لإجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة.
وبسؤال الطبيب عن إذا كان ذلك الحادث بسبب تسمم غذائي أم بسبب دور برد كما قالت الكروز، فكان رده أنه بعدد الحالات وبالأعراض المتشابهة التي ظهرت عليهم فذلك يُرجّح أكثر نسبة التسمم الغذائي وبانتظار التحاليل لتثبت ذلك.

على الجانب الآخر أُثبِتت مقولة “الناس بتبان وقت الشدة”. التي لم نكن نعي معناها إلى أن رأينا تلك الصورة واضحةً أمام أعيننا، أن ترى الجميع على قلب رجلٍ واحد، أن يتقاسم الجميع الألم والقلق كما تقاسموا الفرحة.

في تلك الرحلة، وبسبب العدد الكبير كان هناك 2 من الكروز منقسمة عليهم الدفعة، وما إن عرف الذين على متن الكروز الثانية ما حدث في الكروز الأولى حتى سارعوا بالاطمئنان على كل من كان في كروز السلطان حسن، وقطعوا زيارتهم إلى المعابد ليبقوا بجانبنا في الكروز. أما عن أصدقائنا الذين كانوا في الكروز التي حدث بها التسمم، فقد فعلوا كل ما يستطيعون فعله من أجل مساعدة المرضى؛ منهم من كان يقوم بإعطاء الحقن للمرضى، ومنهم من كان يرعاهم ويُطمأنهم، وآخرون قاموا بإبلاغ شرطة السياحة. ولم يكتفِ أصدقائنا فقط بذلك، بل ذهبوا إلى المستشفى مع المرضى وظلوا معهم طوال الوقت هناك إلى أن عادوا.

فمن رحم المواقف الصعبة تولد أسمى المعاني التي ستبقى خالدةً ومحفورةً في ذاكرة تلك الدفعة.
وبذلك يكون الجميع في انتظار أي رد فعل من الجهات المسؤولة، حتى يسترد أولئك الطلبة حقوقهم بعد ما مروا به من يوم عصيب نفسيًا وبدنيًا وصحيًا يعتريه خوف وقلق ذويهم الذين لا يستطيعون الوصول إليهم لطول المسافات.
وحتى لا تتكرر تلك الواقعة مع آخرين وينتج عنها خسارة في الأرواح، وسواء كان السبب تسمم ناتج عن الغذاء أو نزلات معوية أو غيرهم، فالشيء المؤكد أن هناك إهمال وتهاون واضح ومكتملة أركانه..
إلى متى ستظل أرواح البشر مُهملة؟
ماذا لو كان أولئك الطلبة ليسوا في المجال الطبي ولا يعلمون شيئًا عن تفاصيل الأمراض؟
ماذا لو لم يكن هناك من يساندهم من أصدقائهم؟ أكانوا سيُترَكون حتى يصيبهم الجفاف وتسوء حالتهم أكثر؟
ماذا لو لم يكونوا طلبة مصريين؟ أكان سيٌترَك الوضع كما هو عليه أم كانت الجهات لتتحرك وتقوم بالإجراءات اللازمة؟