ممر التراث

ففي هذا المكان كنز غير خفي على الإطلاق ينتظر منا اكتشافه، انه سور الازبكية.



تختلف الأذواق، وقد لا يفضل بعض منا القراءة، لكن ماذا عن اقتناء الكتب؟
وما الفرق؟

أما عن الإجابة ففي هذا المكان كنز غير خفي على الإطلاق ينتظر منا اكتشافه، “كتب عظيمة مش لاقية حد يشتريها” على لسان أحد بائعيها.

“سور الأزبكية”، الذي جعل للبعض هواية جديدة فإذا كنت لا تحب القراءة فماذا عن كتاب يبلغ من العمر أكثر من 300 عام؟
تجد في هذا المكان تراث، كتاب قد لمسه قبلك عشرات وربما أكثر، من كَتَب فيه رسالة، من خَطَّطّ فيه على سطر، ومن سالت دموعه على سطرٍ آخر؛ لتزداد متعة قراءته، متعة تخيل شعور الآخرين!
مكان يثير الفضول، يجعلك تبحث وراءه. لهذا سنتعرف على تاريخ سور الأزبكية وبعضٍ مما وُجد فيه من تاريخ.

قبل زمن الإنترنت والتواصل الاجتماعي وفي زمن الثورات والحروب كان المصدر الأول والأخير لنخبة المثقفين من الناس هو الكتاب، ولأن الثقافة لم تقتصر أبدًا على الأغنياء ظهرت فكرة بيع الكتب المستعملة..

البداية الحقيقية لافتراش الكتب في السور تعود إلى عام 1926، إذ قام حينذاك المرحوم “أحمد الحكيم الكتبجي” بجـر عربـته المحملة بالكتب متعددة المصادر من منطقة السيدة زينب إلى ميدان الأزبكية، وهناك استراح على السور، ومن ثَمّ قلده باقي البائعين زملاؤه ممن كانوا يتجولون بين المقاهي لعرض كتبهم على المتنزهين.

وماذا كان مصدر حصول البائعين على الكتب؟

لكلّ كتاب في «سور الأزبكية» حكايته، فمعظم تلك الكتب آتية إما من المزادات، أو من الزبائن أنفسهم، أو باعة «الروبابيكيا»، أو اللصوص من الخدم في القصور والڤيلات والمنازل بالإضافة إلى بعض من ورثة الأدباء والمثقفين الذين لم يُقدّروا ثروة أهلهم فباعوا مكتباتهم ومذكراتهم.

ومن أشهر ما سُرق من مكتبات كبار الدولة وبيع في السور، مكتبة علي ماهر رئيس وزراء مصر الأسبق، ومكرم عبيد الزعيم الوفدي.
أما مكتبة المفكر سلامة موسى، باعها الورثة لتجار السور، بعد أن رفضت دار الكتب المصرية شراءها. و كذلك مكتبة المستشار محمود بك السبع التي كانت تحتوي على مجموعة من الكتب الأجنبيّة النادرة، ومنها نسخة من كتاب «الحملة الفرنسية» المطبوع في فرنسا، والمكون من 36 مجلدًا والذي اشتراه الشيخ الشربيني -فقيه شافعي وشيخ للأزهر وقتها- من الورثة بـ 300 جنيه سنة 1958، ثمّ باعه في أوائل الستينيات من القرن الـ20 بـ 4000 جنيه! محققًا أكبر ربح في حياته.

وبالرغم من ذلك تعرض التجار لهجوم لفترات طويلة بالوقوف ضد فكرة سور الأزبكية وعدم إعطائها أهمية كافية واعتبارها إشغالًا للطريق. واستمرت تلك المطاردات حتى 1949 عندما تجمع كل الباعة -وكان عددهم 31 بائعًا- وتوجهوا إلى رئيس مجلس الوزراء وقتها مصطفى النحاس، وطالبوا بإعطائهم حق التجارة في تلك الكتب وإعطائهم تصريح ومكان ثابت لمزاولة العمل بطريقة قانونية، وتعاطف معهم النحاس وأصدر أوامره بتراخيص ثابتة لمزاولة مهنة بيع الكتب في هذا المكان ومنع تعرض بلدية القاهرة لهم، ليكون بذلك رسميًا أول سور لبيع الكتب المستعملة في العالم العربي.

ومن أقوى المواقف والذي ساند تراث السور فيها مصر، حينما لجأ ضباط ثورة يوليو 1952 إلى تجار السور لإمدادهم بأية وثائق أو مذكرات أو معلومات عن الأسرة المالكة مما كان الخدم في القصور الملكية يبيعون لتجار السور.

ومن أشهر الحكايات حكاية ذلك المحامي الذي عثر أثناء تجواله حول السور على نسخة من مسرحية أنطون الجميل رئيس تحرير جريدة الأهرام الأسبق، وهي بعنوان «وفاء العرب» مطبوعة سنة 1909، وعليها إهداء بخط يده إلى الزعيم سعد زغلول.

ولا يقتصر سور الأزبكية على التراث فهو ملجأ أساسي للكتب العلمية باهظة الثمن التي تباع بأقل من نصف ثمنها به، وتحقق هدف تقليل الموارد والاستفادة من الموارد الموجودة بالفعل التي تحاول منظمات كثيرة تنفيذها بالعديد من الأشكال. ولذلك يقام جناح لسور الأزبكية في معرض القاهرة الدولي للكتاب وإذا لم تسنح لك الفرصة بزيارة المعرض يمكنك زيارة هذا الممر الذي حمل أقدام أعظم مثقفي العرب بوسط القاهرة تحديدًا أمام مسرح العرائس، وبجوار المسرح القومي في العتبة، خلف حديقة الأزبكية بجوار محطة مترو العتبة.
وبوعدٍ من أحد بائعي سور الأزبكية، ستقوم جامعة مصر الدولية بالتعاقد مع إحدى المكتبات لزيارة قادمة في بداية شهر مارس.