مَا بَينَ حالٍ وحالْ.

دروس الحياة لا تنتهي، تعلّم منها جيّدًا، فمن الممكن أن تغيّر مفاهيمك في .بعض الأحيان



عند الله آياتٌ متعدّدة للجمال، ليس فقط في جمال الخلقِ والتّكامل في خلقه، بل أيضًا في صورهِ وأقدارهِ وحكاياته التي من خلالها ينصحنا ويراسلنا ويفتح أعيننا من خلالها.

في يومٍ مثل أيّ يوم، كان موعدنا لرحلة المساعدة في أحد زقوق وأروقة قرية بني عمرو. ماذا أفعل؟ بحث حالة لمنطقة لاكتشاف احتياجات الصابرين. مهما كنت معتادًا على الحديث والتعامل مع الناس، يأتي مع أول باب يُفتح لك، فترة الصمت والبلاهة ممّا تراه وتسمعه من عدم وجود أسقفٍ من احتياجات ليس لها آخر. في بادئ الأمر، تذهب لإشباع احتياج شيء واحدٍ فقط، تخرج وفي رأسك مئات الاحتياجات الأخرى. في كلّ بيتٍ ندخله، نجد أنواعًا كثيرة من الشخصيات، ولكن ما جذب انتباهي نظرات الحيرة والتساؤل في أعينهم. “من أنتم؟ وماذا تريدون؟”. عندما عرّفنا عن أنفسنا، قالت عجوزًا يبدو على وجهها علامات الشقاء: “مستورة، مش محتاجين حاجة من حد.” فصُعقت من ردّها: “مستورة؟!”. منزلهم لا يحتوي على شيء. لا يوجد به شيءٌ سوى مرتبةً ينامون عليها ويجلسون بها، وبعض المستلزمات للعيش، والعجوز الأخرى مريضة بما يسمّى”الشّلل الرعاش”. أحسستُ بالحزن والضيق في أعينهم من وجودنا، فقلت لها: “حضرتك متضايقة مننا؟ عايزانا نمشي؟” ابتسمت في وجهي قائلة: “احنا مبسوطين بيكوا ومش عايزين حاجة، كفاية الزيارة الحلوة دي، بس هي مستورة”.

كان هذا أول موقف استوقفني في هذه الرحلة، بعد تشاطرنا الأدعية والحديث معهم، خرجنا من المنزل، وكنّا نهمّ بالرحيل، وجدنا سيّدة تجلس في هدوء خارج منزل أحدهم، فتوجهنا نحوها: “عاملة ايه يا حاجّة؟” فقالت:”انتوا مين؟” رددنا، وبعدها: “فين قريبك او اللي قاعدين معاكي؟” فقالت: “ابني ومراته خرجوا فرح وسابوني…” إذ بجيرانها يأتوا “هي كفيفة، وأولادها بيسيبوها كتير قاعدة لوحدها…” فقلنا:”محتاجة حاجة؟” فردّت: “سلامتكم” وبحركات يديها، أحسست بأنّها تريد أن تسلّم، فأمسكت بها فاحتضتني بدفءٍ غريب، ذكرتني بحضن جدّتي.

ثاني موقف استوقفني، عزمنا الرّحال، فهمّ الدّليل يخبرنا: “توجد هنا امرأة كفيفة أيضًا” فهممنا لدخول بيتها فإذا بطفلة تفتح لنا، وقد كانت في غاية الكسف، وجرت على امرأة جالسة على الأرض، تحتضنها وتقبّلها، كانت أعينهم تحكي كل شيء. بعد ما قلنا ما تعودنا لقوله، من نحن وما احتياجاتهم. فبنيّةٍ صافية، تساءلنا، أين أم الطفلة؟ لحظة صمت… “بنتي ماتت بعد ما ولدت أحلى حاجة في حياتي، بصوا شايفين صورتها”. أحد الجيران كان في الداخل، وأرانا الصورة، فمن الطبيعي السؤال، أين الأب؟ “ربنا يسهلّه.” وأخذتنا الجارة إلى الجانب وأخذت في سرد القصة: “أبوها بعد ما الأم ماتت مشي وساب البنت مع جدّتها ومارجعش تاني، وهي من كثر العياط على بنتها بقت مبتشوفش…”.

ثالث موقف، وأرى من حولي عيونًا متلألئة من الدموع المحبوسة، بعد سماع قصص الصّابرين، والذين برغم مشاكلهم صامدون، غير محتاجين أحدًا ليساعدهم، “مستورة.” أخذتُ أراجع نفسي، ما مدى تفاهتِنا وتفاهةِ مشاكلنا، بالرغم من كل البلاء والمرض، إلا أنّهم لا يشتكون. وبقول الحمد لله ربنا كريم. كانت هذه من أحلى الحملات التي نزلتها أو كما أسمّيها، رحلة مساعدة. والقصد بكلمة مساعدة، مثل الرحلات العلاجية بالضبط، لكن هذه تكون علاجية للنفس والقلب. إنّي لأذهب لأتلقى المساعدة نفسي، في أن أحمد ربّنا وأجدّد نيّتي، ويأتي صفاء النفس وصفاء الروح. انزلْ، ساعدْ نفسك وغيرك. ستشعر بالتّغيير من كل ناحية في حياتك، رسائل اللّه عديدة ومستدامة، لكن طوبى لمن أدركها وقد أدركه التّغيير .ما أرحمك يا الله!

“إن لله تعالى عباداً اختصهم بحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك هم الآمنون من عذاب الله”.