رسالة في كاريكاتير

الفنون عديدة تختلف حسب الثقافات، ولكل فن أسلوبه الخاص..كل هذا وأكثر ستتعرف عليه في هذا المقال



“عندما يكون النقد هدفًا، تصبح السخرية وحتى المبالغة أسلوبًا، أما الواقع فهو الملهم دائمًا.”

في بداية الأمر ما معنى كلمة “كاريكاتير” ؟يستعجب الكثير من الناس لغرابة اللفظ, الكاريكاتير (بالفرنسية: Caricature) هو فن ساخر من فنون الرسم، وهو صورة تبالغ في إظهار تحريف الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، بهدف السخرية أو النقد الاجتماعي أو السياسي أو الفني أو غيره، وفن الكاريكاتير له القدرة على النقد بما يفوق المقالات والتقارير الصحفية أحيانًا.

وطبقًا لموقع “مجلة المصباح” تختلف الآراء بخصوص ظهور هذا الفن الذي لطالما استهوته ملامح الوجة. لكننا نجد كلمة “كاريكاتير” مماثلة تمامًا لكلمة “بورتريه” التي تعطي نفس المعنى مع وجود فارق في طبيعة الكلمتين أساسه مفارقة في خطوط الرسم. ففي “الكاريكاتير” كثيرًا ما يعمُد الفنان في رسم خطوطه إلى درجة كبيرة من المبالغة في الشكل والحجم عن سابق قصد، الأمر الذي يجعل السخرية تبلغ أعلى درجاتها. من جهة أخري، يعطي النقد المقصود الانطباع المشهدي المؤثر والمحرض معًا، والذي يريد الرسام إطلاقه أو البوح به. وأما رسم “البورتريه” فيعتمد على قواعد مثالية وثابتة لا يمكن تجاوزها؛ فالرسم يجب أن يكون مطابقًا تمامًا لواقع ملامح الشخصية دون أي تغير أو مبالغة.

  • البدايات

طِبقًا لما ذُكر في موقع “بوابتي” تشير المصادر التاريخية إلى أن فن الكاريكاتير فن قديم كان معروفًا عند المصريين القدماء والآشوريين واليونانيين، فأقدم صور ومشاهد كاريكاتيرية حفظها التاريخ تلك التي حرص المصري القديم على تسجيلها على قطع من الفخار والأحجار الصلبة وتشمل رسومًا لحيوانات مختلفة أُبرزت بشكل ساخر؛ أبدع في رسمها العاملون في تشييد مقابر وادي الملوك بدير المدينة في عصور الرعامسة، ويرجع تاريخها إلى عام 1250 قبل الميلاد، ولا تُعرف الغاية التي توخّاها الفنان المصري من هذه الرسومات؛ فلعلها كانت إشارة غير صريحة إلى العلاقة غير المتوازنة بين الحاكم والمحكوم التي كانت سائدة في تلك الفترة جسّدها النحاتون في أسلوب ساخر خفي المعنى.

وتؤكد معظم المصادر أن فن الكاريكاتير كان شائعًا عند اليونانيين الذين ذكروا أن مصورًا يونانيًا يُدعى بوزون صوّر بعض المشهورين من أهل زمانه في شكل يدعو إلى السخرية؛ الأمر الذي أدّى إلى عقابه غير مرة من دون أن يرتدع.

وذكر بلنيوس المؤرخ أن بوبالوس وأتنيس وهما من أشهر مثّالي اليونان صنعًا تمثالًا للشاعر الدميم ايبوناكس، وكان التمثال أشد دمامة إلى درجة أنه كان يثير ضحك كل من كان ينظر إليه؛ فاغتاظ الشاعر منهما وهجاهما بقصيدة لاذعة لم يتحملاها فانتحرا!

 

ازدهر  في إيطاليا

وقد ازدهر فن الكاريكاتير في إيطاليا، فأبدع الفنانون الإيطاليون كثيرًا من الأعمال الفنية، ومن أشهرهم تيتيانوس (1477ـ 1576) الذي عمد إلى مسخ بعض الصور القديمة المشهورة بإعادة تصويرها بأشكال مضحكة، وظهرت أول رسوم كاريكاتيرية مهمّة في أوروبا خلال القرن السادس عشر الميلادي، وأنجبت بريطانيا عددًا من رسامي الكاريكاتير البارزين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وقد اشتهر وليام هوجارث برسوماته الكاريكاتيرية التي انتقدت مختلف طبقات المجتمع الانجليزي، وأبدع جورج كروك شانك وجيمس جيلاري وتوماس رولاندسون المئات من الرسوم الكاريكاتيرية اللاذعة حول السياسة والحكومة في أنجلترا.

 

أمثلة عربية

ومن الأمثلة على الرسّامين في بعض الدول العربية: جواد حجازي – أحمد طوغان  – مصر، ناجي العلي – فلسطين، يونس البلوشي – سلطنة عُمان، مؤيّد نعمة، كفاح محمود الريفي – العراق، شاهين برزنجي – كوردستان، منعم حمزة – السودان، رشيد السليم، يزيد الحارثي – السعودية، توفيق الكوكي – نادية خياري – تونس، محمد العلي، جوان زيرو – سوريا، باقي – الجزائر، محمد الزواو، العجيلي العبيدي – ليبيا، محمد مختار- الصومال، حمد مطر العجيل – الكويت.

أما في اليمن فظهر عدد من رسامي الكاريكاتير على سبيل المثال: الفنان محمد الشيباني وعدنان جُمن والفنانة جميلة عزاني وعارف البدوي ورشاد السامعي وكمال شرف وغيرهم كثيرون.

 

أهمية الكاريكاتير

أغلب الرسوم الكاريكاتيرية تُعبّر عن الحالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات العربية، وما أكثر المعارض الفنية في الوطن العربي، وفي استكشاف للتاريخ وأهمية الكاريكاتير قال المؤرخ الفني جومبريتش والمحلّل النفسي والمؤرخ الفني إرنست كريس: تطور الكاريكاتير من نكتة معقّدة تلقى لإمتاع أصدقاء الفنان ليصبح سلاحًا اجتماعيًا يكشف القناع عن ادعاء القوة ويقتل بالسخرية “فالكاريكاتير” كما يقولون: “قد يكون معبّرًا عن الشخص أكثر من نفسه“.

وتجلّت الحاجة الماسة للكاريكاتير مؤخّراً في الواقع السياسي؛ إذا أثبتت التطوّرات الأخيرة في قطاع غزّة والتصعيد الاسرائيلي فيه قدرة رسامي الكاريكاتير العرب في فعل ما عجزت عنه الأنظمة العربية، وهو لفت الانتباه إلى أزمة الشعب الفلسطيني في غزّة والتضامن معه، وأظهر أحد رسامي الكاريكاتير السعوديين دعم تلك الأنظمة لإسرائيل من خلال صورة لدبابة اسرائيلية وقودها الصمت العربي، ولاحظنا رسومات كاريكاتيرية أخرى ركّزت على عدم التوازن بين القتلى من الجانبين، فمقابل كل مائة قتيل فلسطيني، هناك بالكاد قتيل إسرائيلي.

وكان الهجاء الساخر مؤثّرًا في الثقافة العربية وخاصة إذا كُتب بقالب كاريكاتيري، ومثله ما كُتب في الشعر القديم، والنقد غير المباشر كان يختفي وراء الرقابة الذاتية، ولكنه خرج إلى النور خلال ثورات الربيع العربي بشكل واسع سواء في تونس أم مصر أو ليبيا أو سوريا أو حتى في العراق ودول الخليج العربي واليمن، وفيما يلي بعض الدول العربية وشخصية مميّزة فيها.

 

ونأتي إلى الكاريكاتير في مصر

وفي مصر كان للكاريكاتير دور كبير في النهضة الثقافية والذي عكس طبيعة المجتمع المصري ودُعابته وفكاهته منذ القدم، وفي ثورة يناير المصرية برز الفنانون ينقشون بأناملهم كل ما يخص عهد مبارك ودولته وصلت في بعض الأحيان إلى السخرية، لكن جميع المصريين يعلمون أن لهذا الفن نكهته المميّزة، الأمر الذي جعل الدكتور محمد صابر – وزير الثقافة – يدعو إلى نشر ثقافة الكاريكاتير؛ لأنها شديدة الروعة والتعبير والروح الفكاهية أحيانًا والعبثية أحيانًا أخرى، مؤكدًا أن مصر صاحبة رصيد واسع، وأن رسّام الكاريكاتير في ظل الظروف الراهنة اكتسب شهرة واسعة واستطاع أن يبدع أكثر من فكرة في اليوم الواحد، وجاءت جائزة النيل في الفنون لتتوّج عميد رسّامي الكاريكاتير في مصر أحمد طوغان إلى جانب جوائز عدّة في الفنون والعلوم، ولتثبت كل تلك الجوائز أن المرء مهما دفع الثمن جرّاء مواقفه ومبادئه سيأتي يوم الحصاد حسمًا حين يدرج اسمه في قائمة الشرفاء، وقال في حوار أجرته معه صحيفة «الأهرام»: الشعب المصري فنان وأدرك أن الرسم وسيلته في التعبير، والسخرية السلاح الرئيس الذي أدركه قادة الحروب منذ سنوات.

  • انواع الكاريكاتير

المدارس :

1)المدرسة الأوروبية الشرقية:

وهي تعتمد بالرسم فقط، حيث تقدم الرسوم الفكرة من خلال اهتمام بالغ بتفصيلات الرسم ذاته حيث لا وجود لتعليق. وهي أقوى المدارس الكاريكاتيرية نجد الفنان السوري علي فرزات من أشهر فناني هذه المدرسة.

2)المدرسة الأوروبية الغربية:

الرسم تخطيطي بسيط، ولابد فيها من وجود تعليق على شكل نكتة أو حوار ضاحك، ومن خلاله علاقة الحوار بالتشكيل  الرسمي تظهر المفارقة والفكرة المراد توصيلها. ومن أشهر فناني هذه المدرسة عربيًا نجد صلاح جاهين وجورج البهجوري.

3)المدرسة الأمريكية:

تمتاز هذه المدرسة بالجمع بين المدرستين السابقتين، حيث إن اهتمامها مُنصب على إعطاء الرسم مضامين ودلالات تتضح أكثر بالحوار. ومن فناني هذه المدرسة الفنان الفلسطيني: ناجي العلي ومن هذا العرض لنشأة هذا الفن الساخر يجب أن ندلف إلى التعريف بأنواع هذا الفن.

إن الصورة الكاريكاتيرية هي رسالة من الفنان إلى المتلقي من خلال سياق مشترك قائم على بنية الواقع الذي يعيشونه معًا، ومن هذا المنطلق فإن الفكرة الكاريكاتيرية تنقسم إلى أنواع منها:

الكاريكاتير الاجتماعي الذي يبرز من خلال قضايا وتناقضات الواقع الاجتماعي، وهذا النوع سخريته لاذعة وتهكمه شديد وتأثيره محدود.

أما النوع الآخر من الكاريكاتير وهو الأكثر شيوعًا وانتشارًا هو الكاريكاتير السياسي ومهمته تحريضية بحتة لنقد الواقع السياسي المحلي أو العالمي.

والكاريكاتير المحلي يصلح أن يكون به تعليق، أما العالمي فيفضل أن يكون مفهومًا ومعبرًا بالرسم فقط، فالحوار قد يكون غير ذي جدوى بسبب الترجمة التي قد تؤدي إلى أن يفقد الحوار معناه المستمد من أرضية ثقافية معينة.

ويوجد نوع آخر من الكاريكاتير هو الكاريكاتير الرياضي وهو نوع صحفي، ويعتبر فرعًا من الكاريكاتير الاجتماعي، ومن خلال هذه الأنواع تظهر وظيفة الكاريكاتير كفن تحريضي دعائي قائم على وجود مرسل ومستقبل للرسم، ومن ثَمَّ قيام فاعليات إنسانية بسبب الفكرة التي يطرحها الرسم.

الحياة دائمًا جادة؛ دراسة، ومشاريع، ومشاغل عديدة..فتجد نفسك تفكر في أخذ قِسط من الراحة ولكن لا تعرف كيف تخصص هذا الوقت! لكن يُمكنك أن تمسك بالجريدة بالصدفة حتى إن كُنت ممن لا يحبذون القراءة. ستجد في الصفحات الأخيرة من الجريدة “رسم كاريكاتيري” لطيف البعض منها ستجده يتعمد استخدام أسلوب السخرية والضحك، والبعض الآخر لأرسال رسالة بطريقة مُمتعة..وفي النهاية؛ هل تعتقد أن الكاريكاتير حقًا يستحق أن يُصنف كنوع من أنواع الفنون؟