عن مُحمَّد صلاح وفن براعة الاختيار.

ما الذي ميز محمد صلاح عن غيره من الموهوبين؟



رمز الصعود.

يصف إيان رايت نجم نادي الأرسنال ومنتخب إنجلترا السابق محمد صلاح قائلًا: إنه يستطيع التأقلم في مراكز كثيرة. يستطيع أن يؤدي في كل مراكز الخط الأمامي. إنه سريع للغاية، ويختار أماكن تمركزه بعيدًا عن المدافعين. إنهم يعلمون أن من الصعب اللحاق به. الهدف الثاني في ليستر سيتي يخبر عن كل إمكاناته؛ القوة والسرعة والفاعلية والدقة في التصويب. ثم يضيف رايت: إنه يذكرني بليونيل ميسي!

وسواء أكنت تختلف أو تتفق مع رايت في تشبيه صلاح بأسطورة كروية كميسي، فإن ذلك لن ينفي أن صلاح بات الآن من أحد أبرز نجوم اللعبة علي مستوي العالم. ويكفي معرفة أن قيمة صلاح التسويقية هي أكثر قيمة ازدادت في أوروبا الموسم الحالي. حيث كانت قيمته التسويقية في شهر سبتمبر من العام الماضي 88.1 مليون يورو، بينما صارت في شهر مارس الماضي 162.8 مليون يورو.

وبات أغلب متابعي الساحرة المستديرة علي علم بقصة 14 عامًا بنى فيها صلاح جسرًا من “ملعب المقاولون العرب” بمدينة القاهرة، إلي “ملعب أنفيلد رود” بمدينة ليفربول. عرف الجميع في تلك القصة إصراره علي حلمه وعدم استسلامه لعناد الظروف واجتهاده وتطوره.

وبعد قيادته للمنتخب المصري للتأهل لكأس العالم بعد غياب دام 28 عامًا جعل جموع من الشعب الساعي وراء متطلبات العيش، يجتمعون في المقاهي مهللين لأهدافه وفرحين بانتصارات فريقه، ودب الأمل في جماهير ليفربول أن ترى فريقها من جديد على منصات التتويج بالبطولات الكبرى بعد غياب استمر 13 عامًا من الخيبات، مترجمين ذلك الأمل لأغنية تصف شغفهم ببطلهم الجديد واصفينه بـ “The Egyptian King”.

العنصر المُتمرد.

من المعلوم أن العناصر الكيميائية النشطة تدخل التفعالات ساعية للاستقرار. وهو ما يشبه الطبيعة البشرية خصيصًا في عالمنا العربي حيث يدخل معظم الشباب معترك حياتهم باحثين عن النجاح من أجل الاستقرار وتأمين الحياة الكريمة. ولكن دائمًا ما تتواجد مربعات في المجتمعات الدائرية، أولئك الذين لا يستطيع أحد ألا ينتبه لوجودهم، ومن هذا المنطلق بزغ صلاح في مجتمعنا كواحد من أولئك المُتمردين. فإن عدنا بالزمن إلي عام 2012 حينما بدأ رحلته الإحترافية في نادي بازل السويسري، فتوقع أن يصل صلاح إلي مكانة تجعله في مقارنة مع كبار لاعبي العالم كانت لتكون من ضرب المزاح.

ولكن هذا ما حدث بالفعل بعد ستة أعوام على خروجه من مصر. وهو ما ينم عن اجتهاد وعمل وإيمان بالنفس بكل تأكيد. وما يغفل عنه البعض أن الاستقرار لم يغر صلاح بأن يظل في المستوى الذي وصل إليه في بازل في سويسرا. ولم يرض بالجلوس علي دكة بدلاء نادٍ بحجم تشيلسي رغم صغر سنه وقتها ووجود العديد من النجوم في تشيلسي. وآثر التطور وانتقل إلي إيطاليا لنادي فيورنتينا ومن ثم نادي روما، ومن روما حط رحاله في ليفربول حيث انفجرت قدراته حاليًا.

فما لا يعلمه الكثيرون أن انتقال اللاعبين من بلد إلي بلد ليس بتلك السهولة مهما بلغت التسهيلات والرفاهية من حولهم. فالانتقال إلي بلد جديد يعني لغة جديدة وأشخاص جدد ونظام حياة مختلف. ومع وجود الصعوبات في الانتقال من محطة إلي أخرى، ووصول صلاح إلي مستوى جيد من النجاح قبل ليفربول قياسًا علي صعوبة بزوغ العرب وتفوقهم في أوروبا، كانت كلها أمورًا كافية بأن يبقى صلاح في إحدى تلك المحطات التي وصل إليها وأن يكتفي بما حققه. ولكنه ضرب بتلك القواعد عرض الحائط وحقق الاستثناء، محطمًا العديد من الأرقام القياسية ورافعًا سقف طموحات ناديه ومنتخب بلاده.

رحلة محمد صلاح في أوروبا

لأن الانتقادات ربما تكون علي حق!

كان يجيبني دائمًا بثلاث كلمات هم “حاضر” ونعم” “وتحت أمرك ياكابتن”، هكذا علق حمدي نوح لاعب منتخب مصر الدولي السابق ومدير قطاع الناشئين بنادي المقاولون العرب عندما سُئل عن صلاح في بداياته عندما كان ناشئًا في نادي المقاولون العرب. وهو ما يوضح مدي التزام صلاح بالتعليمات التي توجه له.

وهو أيضًا ما استمر حتي في رحلته الاحترافية، فلم تؤثر عليه نشوة النجومية وأخذ تطوره مراحل عدة؛ فأظهر موهبته في بازل، وأدرك أنه يجب أن يتطور وألا تهتز ثقته كما حدث في تشيلسي عندما صار حبيس دكة البدلاء. فرحل إلي فيورنتينا واستعاد ثقته بنفسه. وفي روما وصل إلي مرحلة النضج كلاعب محترف. حتي هنا كان صلاح لاعب ليس بالخارق ولا بالسيء ولم يكن كما هو عليه الآن ولم يقترن اسمه بكل ذلك المجد. إلي أن انتقل إلي ليفربول فظهر العديد من المشككين بقدراته التي كان من أبرزها سوء ترجمته للفرص أمام المرمي.
ولكن مع مرور الوقت تحول إلي آلة تهديفية لا ترحم، ويصف جان مولبي، لاعب ليفربول السابق تطور صلاح المذهل فيقول :”لقد فاجأني شخصيًا ولم أعتمد على ما فعله أو ما لم يفعله مع تشيلسي. إنه أكثر مما رأيته يفعل مع روما”.

لم يعش صلاح دور الضحية عندما وجهت له الانتقادات من الجماهير في مصر وخارجها، وظل يتطور في صمت. وهو ما قد يعد بالشيء اليسير، ولكن بالنظر إلي العديد من اللاعبين الموهوبين في مصر بل وفي العالم الذين انحنوا واندثروا تحت عواصف الانتقادات، سندرك أن إرادة صلاح كانت قوية بما يكفي لتجعل الانتقادات مناراته لما هو عليه من تميز ومجد.

مفارقة تعدد الاختيارات.

يُقال أن حرية الإنسان تقاس بمدى تعدد الاختيارات أمامه في الحياة. فكلما زادت الاختيارات أمامك فستستطيع أن تصنع قرارك بنفسك، عكس أن تكون مقيدًا باختيار أو اختياريين فقط.
ولكن للمفارقة فإن لتعدد الاختيارات ضريبة تتمثل في كونها تخلق شعورًا بالندم علي اختيارك رغم أنه يمكن أن يكون جيد، وذلك لتوقعك أن باقي الاختيارات يمكن أن تكون بها أشياء أفضل. وبالنظر إلي حالة محمد صلاح نجد أنه كان أمام عدة اختيارات؛ فكان من الممكن أن يستمر في مصر بين أهله دون التنقل إلي بلاد لا يعرف بها أحد، وكان من الممكن أن يستقر في سويسرا وألا يخوض غمار تجربة تشيلسي رغم علمه بأنه لن يجد مكان أساسي بسهولة، وتجاربه في إيطاليا التي يعلم أن بيئتها الكروية تقيد المواهب بعض الشئ، وأخيرًا عودته لإنجلترا مجددًا للعب في ليفربول رغم صعوبة وقوة تنافسية الدوري الإنجليزي.
كلها اختيارات قام محمد صلاح بها تظهر طموحه ورغبته المستمرة في النجاح، ولكنها لم تكن عشوائية بذلك الشكل التي تظهر عليه. فصلاح يدرك إمكاناته الذاتية بشكل لا يوصف وهو ما لا يستطيع فعله إلا القلة المتميزة من البشر. ومع إدراكه لإمكاناته كان يعلم ما الذي ستوفره له كل بيئة مر بها، وماذا يجب عليه أن يفعل حتي يستثمر ما سيتوفر إليه أحسن استثمار.
ومع قدرته في تجاوز إغراءات الاستقرار والنجومية، والعمل علي التطور بناءًا علي الانتقادات، كانت كلها خصال كفيلة لتجعل صلاح يمضي من اختيار لاختيار دون ندم أو قلق، صاعدًا إلي النجوم علي سلم المشقة.