صُنع في الصين.

طالب الجامعة الخاصة بين الحقيقة والخرافة.



المقياس الصيني

بدءًا من هاتفك أو حاسوبك الشخصي الذي تقرأ منه الآن، إلي ملابسك مرورًا بمكيف الهواء في بيتك أو عملك، أحد هذه الأشياء إن لم تكن جميعها قد مرت على الصين صناعةً، أو تجميعًا. ولهذا تحتل الصين مكانة رفيعة كدولة مصدرة، حيث أنها الدولة الأولى المصدرة للعديد من المنتجات على مستوى العالم. ورغم هذا يظن البعض أن الصناعة الصينية رديئة، رخصية السعر، سريعة التلف. وتعد تلك الخرافة عن الصين مثالًا يمكن عليه قياس الرؤية العامة في مصر عن طلاب الجامعات الخاصة.

صينيو مصر

من الواقع العام في مصر وتحديدًا في العشرين سنة الأخيرة التي مثلت فترة ظهور العديد من الجامعات الخاصة، نجد أن الأحداث الروتينية التي تحدث في المجتمع المصري، قد أثرت بشكل عام على نظرة المجتمع لطلاب الجامعات الخاصة. حيث أنه في وقت أصبحت فيه الأموال هي القاعدة العامة وصارت النزاهة في التعامل إستثناء، ثُبتت حقيقة  عدم المساواة والمعاناة عند أفراد المجتمع على عكس ما يمر به نظرائهم من ذوي المناصب الرفيعة والحالة المادية المُيسرة. وبشكل غير إرادي طُبقت نفس المعايير على طالب الجامعة الخاصة، حيث تُدفع مبالغ مرتفعة كمصاريف للدراسة، ويقل مجموع القبول في الجامعات الخاصة عن الحكومية. وهو ما عكس صورة مزيفة لدى الناس أن طلاب الجامعات الخاصة على مستوى متدني من بذل الجهد في الدراسة، وأن المال هو السبب الرئيسي في دخولهم نفس الكليات التي التحق بها نظرائُهم من الجامعات الحكومية. ومن ثم تتردد تلك الإستنتاجات حتي تصبح حقيقة مُسلمًا بها. فأصبح طالب الجامعة الخاصة كالمنتج الصيني في أذهان الناس، لا يضاهي معرفة ومكانة طالب الجامعة الحكومية.
ولكن طبقًا لسمة الوقت في تغيير بعض المفاهيم، تقبلت المؤسسات في سوق العمل طلاب الجامعات الخاصة كأفراد لديهم كفاءة تمامًا كخريجي الجامعات الحكومية. ولكن كان لها أثرها السلبي الذي تمثل في غضب بعض النظراء من الجامعات الحكومية حيث صاروا يرون أن طلبة الجامعات الخاصة يزاحمونهم على فرصهم في سوق العمل. ومن هنا بات بعض طلاب الجامعات الحكومية يشككون في قوة المناهج والإمتحانات في الجامعات الخاصة، مما ساهم في تأكيد تلك المُغالطة في أذهان الناس.

ليس دفاعًا ولا هجومًا

إن تقييم الطالب يجب أن يتم بناءً على جودة العملية التعليمية التي مر بها. وهنا تكمن المشكلة الرئيسية في استيعاب المجتمع لمفهوم التعليم، حيث أنه في مصر يتم تقييم الطلاب وفقًا لقدرتهم على الحفظ، فمن استطاع الحفظ بشكل أكبر كان مصيره الجامعة الحكومية وما دون ذلك فمكانه الجامعة الخاصة، ولكن هل هذا حقًا مفهوم التعليم؟
للإجابة علي هذا السؤال سنتخذ مثال تعلم القيادة لنحدد ما هو التعليم بشكل دقيق؛ ففي المرحلة الأولي لتعلم القيادة تبدأ بحفظ وظائف كل أجزاء السيارة ومتى يتم استخدامها، وفي المرحلة الثانية تفهم كيف تعمل هذه الأجزاء لتقوم بوظائفها، وفي الثالثة تبدأ مرحلة التطبيق بشكل عملي، ومع مرور الوقت تدخل في المرحلة الرابعة التي يقوم فيها عقلك بتحليل ما تم حفظه، وفهمه وتطبيقه حتي تصل إلي مرحلة التعود، فلا تبذل أي مجهود في القيادة فمع مرور الوقت ستصبح السيارة جزءًا منك وأخيرًا في المرحلة الخامسة ستصل إلى الإبداع في القيادة، فتبتكر الحلول في أضيق المسافات وأكثر المواقف صعوبة.
وبالتالي فإن التعليم هو عبارة عن حفظ،وفهم،وتطبيق، وتحليل وتعود، وإبداع. ومن خلال هذا الأساس يمكن تقييم كفاءة الطالب الحقيقية. بينما في الواقع يتم الإكتفاء بقياس قدرة الطالب على الحفظ واسترجاع المعلومات في الإمتحان فقط، ومن ثم يتم التصنيف لطلاب الجامعات الحكومية أصحاب العلم والكفاءة، والخاص الذي أهلته أمواله لمكانة لا يستحقها. هذا التصنيف نبع من قصور في فهم العملية التعليمية بشكل كامل، فلا يمكن أن يتم تقييم طالب وفقًا للمرحلة الأولى فقط من التعليم والحكم على قدراته من خلالها. وما يجعل هذا التصنيف مجحفًا بشكل أكبر، أن العوامل المتحكمة في تحديد الملتحقين بالجامعات لا تخضع للطالب بأي حال من الأحوال، فسياسات التنسيق وعدد الأماكن المتاحة هي من تحدد ذلك، وهذا ما يفسر أن مجموع 97% قد يؤهلك في عام لكلية الطب وفي عام آخر يؤهلك لكلية الصيدلة، رغم أن المناهج لم تتطور وطرق التدريس لم تتغير.

وما يزيد هذا المعتقد رجعية هو عدم الإدراك أن الجامعة الخاصة كمؤسسة، تسعي للتطور على المستوى العلمي وتنظيم المناهج من حيث تحديث محتواها وطرق إلقائها. وإن تفاوتت جودة بعض الجامعات الخاصة في المستوي التعليمي، كحال جميع المؤسسات فمنها عظيم الجودة ومنها المتدني، فإنه لا يعكس أن يكون الطالب بنفس جودة جامعته إن كانت ذات مستوي سئ. فبالتأكيد هناك أفراد يبحثون عن تنمية مهاراتهم العملية والشخصية مما يساهم في زيادة معدل كفاءاتهم وهو ما يظهر في تواجدهم في سوق العمل كأفراد قادرين على الإنتاج بمعرفتهم وقدراتهم وليس أموالهم.

في النهاية، وجب التنويه أن التعميم هو ما يقود إلي ظهور مثل تلك القضايا، حيث يميل معظم الناس إلي تعميم سئ الأمور وتخصيص الجيد منها. ولذا فإن تحديد مكانة الشخص بناءً علي ما يظهر منه فقط وليس لصلته بمكان ما، قد يكون أحد السُبل لإزالة غشاوة العنصرية التي طغت على المجتمع.