“القُدْسُ” بين المبنى والمعنى

يؤكد التاريخ أن جميع الغزاة الذين مروا على القدس حاولوا احتكار المدينة ونسبها إليهم وهذا ما تفعله إسرائيل الآن.



تاريخ القدس:

بيت المقدس، زهرة المدائن ومدينة السلام. هي واحدة من أقدم المدن في التاريخ والتي تشكل جزءًا كبيرًا من تاريخ الإنسانية، وهي أكبر مدن فلسطين مساحةً وسكانًا وأكثرها أهمية دينيًا واقتصاديًا.
هي عاصمة دولة فلسطين، كما ورد في وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطينية التي تمت في الجزائر بتاريخ 15 نوفمبر سنة 1988م. وهي، كذلك، عاصمة فلسطين منذ قدم التاريخ، حيث أن العرب اليبوسيين هم أول من بنوا المدينة، وسكنوها في الألف الرابع قبل الميلاد. وتعتبرها إسرائيل عاصمتها المُوحدة، حيث قامت بضم الجزء الشرقي من المدينة سنة 1980م، والذي احتلته بعد حرب 1967م. ويعتبرها اليهود عاصمتهم الدينية والوطنية رغم أن وجودهم التاريخي فيها لم يدم أكثر من 415 عامًا. أما عن الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، فلا يعترفان بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتُعتبر مدينة القدس الشرقية جزءًا من الأراضي الفلسطينية العربية، ولا يُعترف بضمها للدولة العبرية.

 

كارثة وضربة متوقعة:

ولكن في يوم السادس من ديسمبر للعام الحالي، صعق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم أجمع -وليس العالم العربي فقط- بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، وهو ما استثار مظاهرات في القدس وقطاع غزة والعديد من المدن العربية، وسط استنكارات دولية كانت أبرزها من كندا وفرنسا.
وما يغفل عنه البعض هو أن القدس خلال تاريخها الطويل تعرضت للتدمير مرتين، وحوصرت 23 مرة، وهوجمت 52 مرة، وتم غزوها 44 مرة، وهذا يدل على أن النزاع عليها ليس وليد الحاضر. والحق أن ما أثار الغضب لم يكن دمارًا كما دُمّرت المدينة سابقًا، أو حصارًا كالذين مضوا، أو غزوًا وهجومًا غاشمًا كالسابق. فتاريخيًا، صار من المعتاد أن يكون الهجوم على القدس بهذا الشكل، فدائمًا ما كان المعتدي عليها مكشوف الوجه؛ يغزو وينهب الأرض راغبًا في السيطرة والاستيلاء على القدس. ولكن، ما يثير الغضب الآن هو أن المحتل يواري وجهه متظاهرًا بالسلمية والرغبة في تحقيق السلام. ويستند علي هذا وذاك ليكتسب سيادته على القدس لكي تكون عاصمة دولته بشكل شرعي مُعتَرف به، سيادة لم يستطع كسبها من بناء المستوطنات داخل القدس وحولها، سيادة لم يستطع كسبها من وجود قواته باستمرار داخل القدس. إذًا فما حدث وأغضب الناس هو كون إسرائيل تحاول أن تتفادى كونها غاصبة محتلة ذات يد ملوثة، وضعيفة خاسرة في المواجهة المباشرة.

الإيمان بالمعنى:

يٌقال أن التاريخ دائمًا ما يملك الإجابة، فلو عُدنا بالزمن إلى الوراء، سنجد أن الإيمان بمكانة القدس كان السلاح الأكثر فتكًا في تحريرها من الاحتلال الصليبي. ويتجلى هذا في قصة حاكم الشام “نور الدين زنكي” الذي أمر ببناء منبر فائق الجمال عام 1167م ليوضع في المسجد الأقصى عند تحرير القدس، وأمر أمهر الحرفيين في دمشق وحلب بصناعته، وكانت حينها مدينة القدس محتلة من الصليبيين. ولكن بعد عشرين عامًا، جاء “صلاح الدين” وفتح القدس في معركة حطين عام 1187م، وأمر صلاح الدين بالفعل بنقل المنبر إلى القدس ونصبه في المسجد الأقصى، وأُطلق عليه اسم “منبر صلاح الدين” وخُطب عليه آنذاك بعد غياب تسعين عامًا طوال فترة الاحتلال الصليبي.

صورة للمسجد الأقصى المبارك الذي يشمل كل ما بداخل الأسوار.

وبالعودة إلى واقعنا اليوم، نجد أن ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي كانت مليئة بالحزن والعجز. وهذا ما هو إلا دليل على نجاح سلاح العدو الأول؛ التحطيم النفسي وجعلِنا نتقبل ما حدث بحزن، وأنه أمر واقع لا راد له. لكن بالإمعان فيما فعله “نور الدين زنكي”، فأمره ببناء المنبر لهو خير مثال أن الإيمان بمعنى القضية هو سر الانتصار، والقيام بأصغر الأفعال وأبسطها سيُبنى عليه -بلا شك- نصرة القضية.

إذ يبدأ الحل من زرع الإيمان بالقضية في نفوس من حولنا، ونقل ذلك الإيمان من جيل إلى جيل عن طريق تعريفهم بتاريخ القدس والتوعية بالقضية العربية الفلسطينية حتى لا يُطمس المعنى مع مرور الزمن، فما سيحفظ لنا القدس وحُرمة مبانيها المقدسة هو إيماننا التام بمعنى وأهمية القضية، فما دام المعنى قائمًا، فلن يزول المبنى.

المصادر:
https://www.usatoday.com/story/news/world/2017/12/05/jerusalem-history-israel-capital/923651001/
http://www.bbc.com/arabic/middleeast-42208270
http://www.alarabiya.net/ar/mob/arab-and-world/egypt/2017/12/07/%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%AA-%D9%82%D8%A8%D9%84-%D9%86%D8%B2%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%87-%D8%A8%D9%8027-%D9%82%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%8B