راوي: رمضان من كازاخستان

لقد كان شهرًا ممتعًا بكل ما فيه من مغامرات شيّقة، ولكن رحلاتي لم تنتهِ بعد فهناك محطة أخيرة قررت أن أختم بها وهي دولة كازاخستان، قد يبدو للبعض أنها قريبة من دول باكستان ولكنها



لقد كان شهرًا ممتعًا بكل ما فيه من مغامرات شيّقة، ولكن رحلاتي لم تنتهِ بعد فهناك محطة أخيرة قررت أن أختم بها وهي دولة كازاخستان، قد يبدو للبعض أنها قريبة من دول باكستان ولكنها مختلفة كليًا عما قابلته هناك. فهيا أريكم جمال هذه الدولة التي كانت تُنسب إلى روسيا والاتحاد السوفيتي في الماضي وتُعدُّ أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث المساحة؛ لنعرف كيف يستمتع هذا الشعب المسلم بهذا الشهر الكريم.

عندما وصلت، أول ما وقعت عيناي عليه هو جمال المساجد المنتشرة في الدولة وروعة أشكالها الفنية بالإضافة إلى مساحاتها الواسعة، مثل: نور أستانا في أستانا (عاصمة كازاخستان) ومسجد المركز الإسلامي في ألماتي مسجد بوليفار ومسجد أكتوبي ومسجد أتايرو. بل إن من إحدى عجائب “كازاخستان” الخمسة هي وجود مسجد تحت الأرض يُسمّى “بيكيت أتا” في منطقة “منجستاووا”، وقد بُنِي المسجد في القرن الـ17، ولا يوجد له أي صور بعد. وللوصول إلى ذلك المسجد، نزلت 1500 متر تحت الأرض، والجدير بالذكر أن “بيكي أتا” هو من العلماء المسلمين المشهورين في “كازاخستان”.

مسجد نور أستانا في مدينة أستانا

المسجد الإسلامي في مدينة ألماتي

 

 

 

 

 

دخلت إلى المسجد فكانت صلاة الظهر، فمكثت عندما وجدت أن هناك درسًا يوميًا عن أحكام الصيام وآدابه، وما هي إلا عدة دقائق بعد انتهائه حتى ارتفع أذان المغرب وأخذ المؤذن يقرأ دعاء “الوسيلة” أثناء تناول الصائمين للتمر والماء ثم صلينا المغرب مُباشرة. وكان المسجد الذي ذهبت إليه يتم فيه تدريب طلاب؛ ليصبحوا أئمة في القريب العاجل. عقب انتهاء الصلاة، قام نائب إمام المسجد الكازاخي باصطحاب المصلين إلى مائدة خاصة تم إعدادها في المدرسة من قِبَل بعض طلبة العلم، وقد أسعدتني برامج الدولة تلك. أخبرني أحدهم أن هناك محاضرة يومية تُعقد قبل الإفطار في معظم المساجد لتبصير المسلمين بأمور دينهم، وأنه يتم توزيع أكثر من 2000 نسخة من القرآن الكريم وعشرة أطنان من التمور خلال الشهر الكريم، إضافةً إلى تسيير قوافل دعوية في أرجاء جمهورية كازاخستان ولمدة 75 يومًا قبل رمضان للوعظ والإرشاد في القرى النائية، تبعد بعضها أكثر من ألف كيلو متر عن مدينة ألماتي. وقال لي أن الحكومة تحظر بيع الخمور تمامًا طوال رمضان ومن يخالف ذلك تتم معاقبته؛ لأن العُرف يحول دون التعامل مع أي مواد مُسكرة لحُرمة هذا الشهر. وعملت أن كازاخستان تتحد مع السعودية في مشروع هدية خادم الحرمين الشريفين؛ لإفطار الصائمين بجمهورية كازاخستان، ويُقدَّم هذا المشروع للصائمين من الرجال والنساء، كما أنه يستمر بشكل يومي من 150 إلى 200 رجل وامرأة.

بعد صيام دام حوالي ١٨ ساعة، أفطرت ورأيت عند الإفطار الكثير من الوجبات التي لم آلفها، فكانت طاولة الإفطار تحتوي على بعض العصائر والسلطات والطبق الرئيسي الذي يُسمى “بلُوف” وهو عبارة عن قطع من لحم الغنم والأرز والمكسرات، بالإضافة إلى نوع من الخبز المحشو باللحم المفروم. ووجدت لبن الإبل ولبن الفرس، حيث يشرب الكازاخيون لبن الفرس ويتناولون لحومه؛ ليستعينوا بها على برودة الشتاء حيث تصل درجة الحرارة في العاصمة أستانا إلى 45 درجة مئوية تحت الصفر.

بلوف

وعقب الإفطار، قرأ أحد الطلاب أو الأساتذة بالمدرسة ما تيسر من القرآن الكريم، ثم يُتبع هذا الوِرد دعاءً يؤمِّن عليه كل الحاضرين. وعند الانتهاء من صلاة التراويح، خرج الأطفال والجيران في الأحياء إلى الشوارع يمشون ويطرقون الأبواب وينشدون نشيد شهر رمضان، هذا النشيد يحتوي على مفردات المدح والدعاء لأصحاب المنازل التي يطرقون أبوابها، وهم بدورهم يقومون بتوزيع بعض النقود والحلويات على الأطفال.

وعندما تجولت في القرى كما نصحني البعض، وجدت الريفيين يلبسون الزي الرسمي للدولة المعبر عن عاداتهم، فوجدت النساء ترتدي ال”كوبيه” وهو كالعباءة ويكون مصنوعًا إما من فرو الثعلب أو الماعز للتدفئة المناسبة لدرجات الحرارة، ويرتدين فوقه “الكوليك” وهو فستان يُربط فوق الكوبيه لتجميل الشكل، مع أهمية وجود غطاء الرأس ليس فقط لبرودة الجو هناك؛ بل إنها إحدى طرق التفريق بين طبقات المجتمع.

الكوليك وللكوبيه مع غطاء الرأس

أما بالنسبة إلى الرجال، فإنهم يرتدون “شلبار” وهو السروال الفضفاض تحت العباءة ويظهر أو يخفى على حسب الطول، و”كامى سول” وهو يجب أن يكون داكن اللون يرتدى فوق السروال، و”طون” وهو عبارة عن معطف كبير الحجم يلتف به الرجال.

زيّ الرجال الكازاخي

ها هو آخر نهار برمضان أتى، وها رمضان انقضى سريعًا دون أن أشعر به ودون أن أمل من رحلاتي خلاله، وهأنذا أودّعكم أصدقائي الأعزاء وأخبركم أني سأفتقدكم جدًا، ولكن ألقاكم على خير إن شاء الله،
عيد سعيد.. شِسلِمِيّ بِرَايزنِك.. Счастливый праздник،
الرحّالة راوي.