راوي: رمضان من ماليزيا

تأهبت للعودة إلى موطني، ولكن إذ بي أشعر أني نسيت بلدًا في جنوب شرق آسيا، و إذا بها ماليزيا أو كما يسمّيها البعض “جوهرة الشرق الأقصى”.كنت أعلم أن ماليزيا تضم ديانات أخرى غير الإسلام



تأهبت للعودة إلى موطني، ولكن إذ بي أشعر أني نسيت بلدًا في جنوب شرق آسيا، و إذا بها ماليزيا أو كما يسمّيها البعض “جوهرة الشرق الأقصى”.كنت أعلم أن ماليزيا تضم ديانات أخرى غير الإسلام الذي هو دين الدولة الرسمي كالبوذية والهندوسية، ولكني وجدت فيها عادات وطقوسًا غريبة لاستقبال شهر رمضان الكريم.

تعرّفت على أحد المارة وأخبرني أنه ففي ليلة التاسع والعشرين من شعبان فور تحري هلال رمضان، يهرع الماليزيون إلى تنظيف الشوارع والساحات العامة وتعليق اللافتات المُهنئة وتعطير المساجد بالبخور والعطور، ويستعدون أيضًا لإقامة الدروس الدينية وحلقات القرآن. وفي الريف، يقومون بقرع الدوق -الطبول- للإعلان عن إقبال شهر الصوم. تعد الإذاعة الماليزية مسابقات دينية وبرامج تفسير القرآن والفقه والسيرة النبوية. وابتداءًا من أول الشهر الفضيل، تطوف النساء حول المنازل ما بين الإفطار والسحور لتلاوة القرآن الكريم، وتُضاء مدينة كاملة احتفالاً بقدوم رمضان ألا وهي “مدينة الأضواء I-City” وتُعَد هذه المدينة البديل المطور لفوانيس رمضان، وتكون عبارة عن حديقة كبيرة تضاء أشجارها وتماثيلها فتلمع في عين كل راء.

مدينة الأضواء I-City

بدأت معهم رحلة صيام فيما يقارب ثلاث عشرة ساعة ونصف، ثم أفطرنا على مشروب خاص مصنوع من ماء ملون معطر بالورد والتمر، ثم صلينا المغرب، وبدأت في تناول وجبتي، فمرر إليّ أحدهم طعامًا يوزَّع مجانًا يُسمى “بوبور لامبورك Bubur Lambuk” وهو مزيج من الأرز و الروبيان و اللحم. أما عن الوجبات الرمضانية، فيتشارك في إعدادها المسلم وغير المسلم فيما يسمي ب “بازار رمضان”أو سوق رمضان، ووجدت تلك البازارات بكثرة في شارع العرب كبازار “بوكيت بوتنج Bukit Bintang” في كوالالمبور وكان قد بدأ عملها من الساعة الثالثة عصرًا لتقديم ما لذ وطاب من مشروبات وأطعمة للصائمين.

بازار Bukit Bintang

بوبور لامبورك Bubur Lambuk

 

 

 

 

 

أكلت منهم “كيتوبات ketupat” وهي وجبة شبيهة بالمحشي في بلادنا، وهي معجنات من الأرز ملفوفة بأوراق النخيل، وتذوقت “ناسي كيرابو Nasi Kerabu”  أو سلطة الأرز التي تتكون من الأرز المطهو مع زهرة بونجا تيلانج Bunga telang الزرقاء لتكسبه لونها. ومن عاداتهم في القرى الماليزية أن تتولى كل أسرة إطعام أهل القرية جميعًا يومًا واحدًا في شهر رمضان في ظهور خاص لأطباق “الغتري مندي” و”البادق”اللذين يشتملان على الأرز مع أنواع من اللحم.

وجبة الغتري مندي

كيتوبات Ketupat

ناسي كيرابو Nasi Kerabu

 

وبعد تناول الإفطار، أخذتني قدماي إلى “مسجد السلطان صلاح الدين عبد العزيز “ بمدينة شاه علم في سيلانجور لأصلي التراويح التي تصل إلى 21 ركعة، وهذا المسجد معروف بالمسجد الأزرق نظرًا لقبته الزرقاء المضيئة، ويحيط به حديقة وبحيرة شاسعة مما يتيح لك زاوية أوسع للترويح عن الشخص. ويطل المسجد على مجمع الفنون الإسلامية، وهو عبارة عن متحف يضم تسعة معارض إسلامية وبه مصاحف مزخرفة ولوحات للخط العربي، ويحوي بداخله على أول نسخة للقرآن الكريم.

مسجد السلطان صلاح الدين عبد العزيز

وعند الانتهاء من الصلاة، ذهبت لإحدى القرى لأرتاح من عناء اليوم، ثم سمعت صوتًا جهورًا ينادي من خارج البيت، فأسرعت باحثًا عن مصدره فإذا به المسحراتي الذي يُدعى “كينا سهير Kena sihir” بالماليزية ووجدته يجوب الشوارع ليوقظ الناس للسحور. فقمت لآكل القليل من الطعام لأقوى على الصيام في اليوم التالي.

وأثناء تجوالي هنا، لاحظت أن النساء والرجال يلبسون ملابس بلادهم الوطنية المعروفة باسم  “السارونغٍ Sarong”، وتضيف النساء إليه ثيابًا طويلة فضفاضة، ويُصنع من الحرير أو القطن ويُلف على خاصرة الجسم، ويعتاد الماليزيون على ارتدائه في أوقات الصلاة والمناسبات الدينية.

السارونغ Sarong

كل هذا وأكثر جعل من ماليزيا مقصدًا لمختلف أنواع السياحة خلال شهر رمضان، فالناس -مهما اختلفت ثقافاتهم ودياناتهم وألوانهم- يبحثون عن السعادة أيًا كان مصدرها، وهنا في ماليزيا وجدت فرحة رمضان التي طالما بحثت عنها.

ألقاكم على خير في وجهاتي القادمة،
وكل عام وأنتم بخير أو كما يُقال باللغة الماليزية “Setiap tahun anda adala baki”،
صديقكم راوي.