راوي: رمضان من البحرين

أوشكت جولتي الرمضانية على الانتهاء، ولكن كيف لي أن أُنهي رحلاتي من قبل أن أزور تلك الجزيرة الخلابة المليئة بالنسمات الروحانية الخاصة! فقد قررتُ التوجه إلىالبحرينحيثُ وجهني قلبي ودفعني فضولي لاستكشاف تلك المملكة ذات



أوشكت جولتي الرمضانية على الانتهاء، ولكن كيف لي أن أُنهي رحلاتي من قبل أن أزور تلك الجزيرة الخلابة المليئة بالنسمات الروحانية الخاصة! فقد قررتُ التوجه إلىالبحرينحيثُ وجهني قلبي ودفعني فضولي لاستكشاف تلك المملكة ذات الطابع الخاص المميز، والتي لم يخلُ حديث مع أصدقائي البحرينيين عن مدى جمال بيئتها وغنى أرضها بالموارد الطبيعية، مثل: البترول والغاز الطبيعي والثروة السمكية وصناعة السفن، وكذلك هي غنيةٌ بالموانئ، مثل: ميناء سلمان وميناء المنامة.

  مملكة البحريندولة جزيرية في الخليج العربي على الجهة الشرقية من شبه الجزيرة العربية، تبعد تقريبًا تسعة وعشرين كيلومترًا عن المملكة العربية السعودية من جهة الساحل الشرقي، وأكبر جزيرة بها هي جزيرة البحرين، وعاصمتها هي المنامة التي تعد من أهم مدن البحرين حيث يسكن بها حوالي ثلث سكان دولة البحرين.

وما قد وصلتُ أراضي البحرين حتى وجدتُ مجموعة من أصدقائي في انتظاري لقضاء أُُمسية رمضانية ممتعة، حيثُ تعيش مملكة البحرين خلال شهر رمضان المبارك أجواء رمضانية خاصة تطغى عليها مشاعر المحبة والود والروحانية، إذ يعتبر أهل البحرين رمضان فرصةً لإحياء العادات والتقاليد التي تميّز بها الشعب البحريني عبر أجياله المتعاقبة.

ترتبط بشهر رمضان عادات أصيلة للأطفال في البحرين، كيوم “الكرنكعوه” الذي يحتفلون به في النصف من شعبان ابتهاجًا لاستقبال شهر رمضان الفضيل، وفيه يرتدي الأطفال -فتيان وفتيات- الملابس التقليدية مثل الدرّاعة، ويذهبون للأهل والأقارب والجيران مرددين أناشيد، مثل: “عطونا الله يعطيكم بيت مكة يوديكم…” ويدقون على الأبواب ليحصلوا على بعض الحلويات والمكسرات.

يوم الكرنكعوه

تجولتُ مع أصدقائي في الشوارع البحرينية، فوجدنا الأطفال يرددون الأهازيج فرحين بمقدم شهر رمضان قائلين “حياك الله يا رمضان يا بو الكرع والبيذجان”. وأثناء جولتنا، علمت من أصدقائي أن لدى الأهالي استقبالاً خاصًا لرمضان، حيث تقوم العائلات بدق وطحن الحبوب التي تستغرق شهر شعبان، فوجدنا الأزقة مليئة بدقّاقي الحبّ المنهمكين في ضربه في المدق في مناحيز -وهي أوعية خشبية مجوفة لها أداة خشبية طويلة تُسمى “بَاليد”- كبيرة ليزيلوا بها القشرة عنه، حتى يكون صالحًا لعمل أكلة الهريس التي لا تخلو منها وجبة من وجبات شهر رمضان، وتستعد النساء مبكرًا في البحرين لهذه المهمة. وأثار انتباهي الصفّار الذي يدور في الطرقات وهو يردد: “صفار القدور” وعندما سألت علمتُ أنها من الحِرَف البحرينية الرمضانية.

أما عن المجالس، فتُعاد تهيئتها وقد صفت في جوانبها المصاحف، حيث يُستدعى عادة في بداية هذا الشهر الكريم عدد من الشيوخ أو “الدراريس” كما يُطلق عليهم هناك وذلك لتلاوة القرآن الكريم طوال شهر رمضان. وعلمتُ أن فى الليلة التي يتوقع فيها الناس ظهور هلال رمضان، يخرج الشعب البحريني إلى الشوارع والأماكن المرتفعة للتحقق من رؤية الهلال، وتسمى هذه الليلة بليلة “الاستهلال”.

صفار القدور

النساء يدقون الحبّ

وما إن اقتربَ موعد المغرب، ذهبنا مسرعين لمنزل أحدهم استعدادًا للإفطار. فقد صمتُ هنا ما يقارب خمس عشرة ساعة، وعلمتُ منهم أن من العادات المتبعة حتى يومنا هذا هي تبادل أطباق الأكلات الرمضانية بين الجيران والأهل والأصدقاء، وعندما ذهبنا لتبادل بعض الأطباق المليئة بالأكلات الشهية مع الجيران، وجدت الحي يعج بالأطفال الذين يسعون في توصيل تلك الأطباق قبيل إطلاق مدفع الإفطار. وبعد يوم طويل من الصيام، أُطلقمدفع الإفطار فالتففتُ أنا وأصدقائي حول المائدة الرمضانية المليئة بالأكلات الشعبية المتنوعة والشهيرة في منطقة الخليج العربي، مثل: “الهريس” الذي يتكون من اللحم والقمح والماء، و”الثريد” وهو اللحم المطهو بالمرق مع الخضار ويقدم مع خبز الرقاق، و”الكباب البحريني” المصنوع من دقيق الحمص. ولكن اتباعًا للتقاليد البحرينية وجدتُ أنه من الضروري بعد تناولنا الشوربة والتمر والقهوة العربية، أن نتجه نحنُ الرِجال إلى المسجد لقضاء صلاة المغرب أولًا ثم نستكمل فطورنا مع بقية أفراد الأسرة.

الثريد

الهريس

الكباب البحرينى

 

تبادل الأطباق بين الأطفال

عقب تناولنا للطعام، استكملنا الحديث فعلمتُ منهم أن الولائم التي تقام في منتصف ليالي رمضان تسمى (الغبقة)، وهي عادةً ما تتكون من السمك والأرز المحمر بالسكر أو الدبس ويسمى محلياً (بالمحمر)، وهي تعتبر إحدى وجبات شهر رمضان التي تقع بين وجبة الإفطار والسحور، ويدعون لها الأهل والأصدقاء في بيوتهم ويعتبرونها فرصة لتعزيز التعارف والترابط الاجتماعي بينهم. وتقام الغبقة غالبًا بين الساعة الحادية عشرة ليلًا والثانية صباحًا بحيث يسهل على المدعوين تلبية الدعوة، ويلتزم الجميع عند إحياء الغبقة بارتداء اللباس التقليدي الوطني لإبراز الملامح التراثية.

الغبقة البحرينية

وأخبرني أصدقائي عما يحدث ليلة النصف من شهر رمضان وهو حدث مليء بالبهجة والفرحة، حيث يخرج الأطفال مرتدين الأزياء الشعبية وهم يحملون الأكياس المصنوعة من القماش الملون لجمع المكسرات والحلويات والتي تُسمى محليًا “القرقاعون”، وتخرج معهم جماعات أخرى من الشباب حاملين الدفوف والطبول ويحملون مجسمًا على شكل فرس مُغطى بالأقمشة الملونة يُسمى “الفريسة” وهم يطوفون بين البيوت مرددين الأهازيج الشعبية الرمضانية.

ليلة القرقاعون

ثُم توجهنا لأداء صلاة العشاء والتراويح بجامع أحمد الفاتح المعروف باسم مركز أحمد الفاتح الإسلامي، وهو أكبر مسجد في البحرين يوجد في العاصمة المنامة. ومن المساجد البحرينية الشهيرة لإتمام صلاة التراويح: جامع نوف بنت حمد النصار ومسجد أبو الفتح ومسجد الإمام البخاري في مدينة عيسى، ومسجد الإسراء في عراد، ومسجد جعفر الصادق في الجفير، ومسجد حسان بن مثبت في الرفاع الشرقي، وجامع حمد بن علي كانو في المحرق.

جامع أحمد الفاتح المعروف باسم مركز أحمد الفاتح الاسلامي

بعد إتمام الصلاة، بدأ الدراريس في قراءة القرآن حتى وقت قريب من السحور. ثُم اتفقنا على التوجه إلى المجالس التي يفتحها الرجال في بيوتهم، ويقومون بدعوة الأقارب والجيران والأصدقاء والزائرين للتجمع بعد صلاة العشاء والتباحث فى شؤون الدين والدنيا وسرد الحكايات وتذكر الماضي، بالإضافة إلى مناقشة القضايا التي تشغل الشارع البحريني في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية. وفي طريقنا إلى المجلس، أخبروني أن هذا الشهر الفضيل يتسم كذلك بالتواصل بين الأهل والأصحاب عن طريق الزيارات -سواء للرجال أو النساء- بشكل مكثف، بالرغم من أن البعض من الشريحة الشبابية وبعض الكبار يفضلون الذهاب إلى المجمعات التجارية والمقاهي التي تعج بالحركة في شهر رمضان، كما تتكاثر الخيام الرمضانية بشكل ملحوظ وتأخذ مقرًا للسهرة والتجمع لعامة الناس، وهو تقليد عصري متبع في أيامنا هذه.

المجالس الرمضانية البحرينية

بعد قضاء مجلس مثمر بالقضايا الهامة، استعددنا للرجوع إلى المنزل. وفي طريقنا، وجدنا الأطفال البحرينيين يلعبون ألعابهم الشعبية التي تتواجد بقوة في رمضان، مثل: الصعقير والخشيشة والسكينة والدحروي، أما الشباب فلا شاغل لهم إلا المستديرة (كرة القدم). وما إن وصلنا المنزل تناولنا بعض الحلوى البحرينية، ومنها اللُقيمات “الزلابية”، و”الفالودة” التي تتكون من الشعيرية وماء ورد وحليب وسكر، و”قرص الطابي” الذي يتكون من طحين وبيض وحليب وسكر، والمهلبية “المحلبية”.

الفالودة

قرص الطابي البحريني

 

 

 

 

واستعدادًا للسحور، أراني أحد أصدقائي صورًا للمسحراتي أو كما يُسمى في المجتمع البحريني «أبو طبيلة»، ويقوم بدوره مجموعة من الشباب التي تُجهَّز لهذا الغرض وتكون سيارة مكشوفة مزودة بمكبرات صوت ضخمة؛ لتجول الشوارع بإيقاع بطيء وهي تردد الأغاني الرمضانية برفقة عدد من ضاربي الطبول والدفوف.

أبو طبيلة

عند الحديث عن صلاة العيد، قال لي أحدهم أن في الليلة الأخيرة من شهر رمضان يودعه الناس بزفة كبيرة تعرف بـ”الوداع”، ويتجمع فيها الأهالي خاصة الأطفال، ويسيرون بين الأحياء منشدين مجموعة من الأغاني الشعبية التقليدية التي يودعون بها هذا الشهر الذي انقضى سريعًا ورحل بأيامه الحلوة ولياليه الجميلة فيشتاق الناس ويتوقون عودته.

ليلة الوداع

ثم بادرت صديقي ذا بسؤالي عن ما يرتدون في العيد، فأخبرني أن في هذا اليوم يتزين الأطفال باللباس الشعبي، فتلبس الفتاة ثوب “البخنق” المطرز بخيط الزري الذهبي، بينما الولد أو الصبي فيلبس الثوب والصديري، مع “القحفية” وهي غطاء الرأس.

البخنق

الثوب و الصديرى و القحيفة

 

 

 

 

ترتدي النساء ثوب “النشل/ النقدة” وهو ثوب من التور يُنقض بالخوص الذهبي أو الفضي ويدخل بين فتحات القماش ويشكل حسب النقوش المطلوبة، كما يرتدين “الدراعة” التي تخاط من ٩ جميع الأقمشة، ويمتاز هذا الزي بأن أكمامه ضيقة وتزين فتحة الأكمام بشريط من الزري العريض. بينما الرجال فيلبسون “البشت” وهو رداء واسع يُلبس فوق الثوب ويُحاك من وبر الجمال أو صوف الأغنام، وأنواعه: “البشت الممشط” وهو أجود أنواع البشوت الشتوية ويُحاك من الوبر والزري، و”البرقة” وهي المُحاكة من الوبر والصوف، و”البشت البدري” الذي يُسمى كذلك لنصاعة لونه الذي يشبه البدر وهو بشت صيفي خفيف، و”البشت النجفي” وهو بشت صيفي يُحاك يدويًا بألوان الصوف والوبر الطبيعي.

البشت وأنواعه

ثوب النشل

 

 

 

 

وها قد حان موعد انتهاء جولتي البحرينية، كانت الأمسية مليئة بالروحانيات والسعادة التي سيستمتع بها كل من أمضاها بلا شك.

أراكم فى بلدٍ آخر وأجواء رمضانية أخرى،
رمضان كريم وعساكم من عوّاده،
صديقكم راوي.