راوي: رمضان من ليبيا




بعد تفكيرٍ طويلٍ، قررت أن أذهب في اتجاه شمال إفريقيا حيث البلد التي يحدها البحر المتوسط ومصر والسودان والجزائر، البلد الجميلة ذات لهجة فريدة وعادات مختلفة، ليبيا المشهورة بعاصمتها طرابلس.

“كيفنّك؟” أي: “كيف حالك” باللهجة الليبية، وهي أول جملة قالها لي صديقي الليبي عند زيارتي فيها، وسألته عن استعدادهم لشهر رمضان، فقال لي كيف تستعد جميع الأسر مع دخول النصف الثاني من شهر شعبا. فبعد إحياء ليلة النصف من شعبان، تنعقد حلقات الذكر وتلاوة القرآن الكريم، كما تنطلق العائلات الليبية إلى الأسواق لشراء لوازم شهر الصيام من الأسواق التي تفوح بمزيج مدهش من روائح التوابل والحبوب والقهوة، ويقومون أيضًا بتبييض البيوت وتنظيفها، وشراء الأواني وتجديد الأثاث. ومع اقتراب حلول شهر رمضان، تبدأ الأسرة في شراء اللحوم بكميات كبيرة، خصوصًا اللحم البلدي رغم غلاء أسعاره. أما عند حلول شهر رمضان، فمن الضروري للعائلة أن تجتمع بأصولها وفروعها في بيت الوالدين في أول يوم.

بعد أن تحدثنا أنا وصديقي، اقترب موعد الإفطار، فقال: “نعدّي على الحوش، باش الأذان، تو ندير الطعام” أي: يريد أن نذهب للبيت حتى أذان المغرب ثم نقوم بتحضير الطعام. صعدنا إلى البيت وجلسنا في الدار (الغرفة) في انتظار الأذان. وعند موعد الأذان، بدأنا الوجبة الرمضانية بالتمر واللبن، وأعطاني صديقي الحليب مختلطًا بعصير اللوز الذي أعجبني رغم مكوناته الجديدة عليّ. ثم ذهبنا لصلاة المغرب وعُدنا لاستكمال الوكال (الطعام)، حيث امتلأت المائدة بكثير من الأطعمة أهمها الشوربة اللبيبة التي لا تخلو منها أي مائدة ليبية وتتكوّن من لسان العصفور أو لحم مقطع قطعًا صغيرة للغاية حتى أن كل قطعة بحجم حبة الحمص ويُضاف إليها البهارات، مثل: الفلفل الأحمر والكركم والمعدنوس (البقدونس)، ويسمون الصحن المُخصّص للشوربة (الداقرة) وهو إناء مجوف من الفخار.
وكان يوجد أنواع من المشروبات مثل “الروزاطة” وهي خليط من الحليب وعصير اللوز و”السحلب”، و”قمر الدين” و”الخشاف”. وكانت الوجبة الرئيسية عبارة عن أرز أو شعيرية بالخلطة بقطع صغيرة من لحم الخروف مع اللوز والزبيب، وتذوقت طواجن مختلفة إلى جانب الوجبة الرئيسية،  قدّموا إليّ أنواعًا عديدة من المحاشي والبطاطس مع الكفتة بحشوات مختلفة، كالمصران الذي يعلن حضوره بقوة في الأعراس والمناسبات السعيدة وهو عبارة عن مصران الخروف محشو، وورق العنب المحشو ويُطلق عليه “براك”.

المصران

الشوربة الليبية

مشروب الروزاطة

بعد الطعام، تجولنا وعرفت إن ليبيا تشتهر بموائد الرحمن حيث يقدمها الأهالي للغريب أو عابر السبيل بمساهمة العديد من الجهات المتبرعة، ومن أشهر الموائد الثابتة تلك التي تقام خلف ضريح عمر المختار. ثم توجهنا إلى أقدم مسجد مازال قائمًا في ليبيا وهو المسجد العتيق في مدينة أولجة، فقد بُني في بداية الفتح الإسلامي عام 1577م. مسجد أوجلة العتيق هو أحد المعالم التاريخية للمدينة. دخلنا المسجد لنجد له تسعة أبواب ومنقسم إلى خمسة أروقة مقسّمة من الوسط بعدد من الأعمدة المتلاصقة وبمجموعة أقواس تحمل القباب. كان الجو جميلًا بداخله تجمع القباب الهواء البارد. حضرنا الدروس الدينية ثم صلينا صلاة التروايح. وكم شعرنا بالراحة لسماع صوت القارئ الجميل! وأثناء صلاتنا، وجدت أن الليبين يكثرون من الأدعية بين كل ركعتين.

المسجد العتيق في مدينة أوجلة

بعد الانتهاء من صلاة التراويح، توجهنا إلى محلات بيع الحلويات لشراء بعض الحلوى، حيث يفضّل الليبيون تناول الحلويات بعد التراويح. “السفنز” هي أشهر أنواع الحلويات، وهي حلويات شعبية تُعجن بالدقيق والزبد والسمن مع قليل من الملح وتُقلى بشكل دائري مغلق من الوسط في الزيت حتى تنضج بانتفاخ أطرافها وجفاف وسطها وتؤكل ساخنة بعد أن تُغمس في سكر غير مطحون أو عسل أو دبس تمر، ورأيت وسط الحلويات لقمة القاضي والكنافة والزلابية والمخاريق.

السفنز

وأثناء تجولنا، رأيت الناس يشترون ملابس العيد، وأُعجبت بالزي الليبي الذي يتميز بالعادات الشرقية فيه. تتزين النساء بكثير من الأكسسورات، ويرتدي الرجال زيًّا مميزًا بألوان جميلة، وهذا الزي يشمل الكبار والصغار.

الزي الليبي

الزي الليبي

بعدها عدنا إلى المنزل (الحوش) وجلسنا نتسامر حتى سمعنا صوت المسحّراتي (المسحر). ووجدت الناس ينتظرون قدومه وقرعه لأبواب بيوتهم مُعلنًا لهم بداية السحور قبل الفجر، وكان يجوب طرقات المدينة حاملًا بين يديه طبلًا يدق عليه أو مزمارًا. فأكلنا السحور المكوّن من الفول والبيض وأنواع الجبن وكان طبق المحلبية (المهلبية) هو التحلية بعد السحور.

بعد إنهاء يومي، ودّعت أصدقائي وقلت لهم “راح استحاشكم هلبا” بمعنى سأشتاق إليكم كثيرًا،
ولم أنسَ ما شعرت به من راحة وسعادة في ليبيا بين أجوائها الرمضانية وأهلها وعاداتها وتقليدها، وجهّزت نفسي للرحلة الأخيرة.

عيد سعيد،
صديقكم راوي.