راوي: رمضان من الجزائر

محطتي اليوم دولةٌ ذات قيمة، وهي إحدى الدّول التي أحببتها وقد سمعت الكثير عنها، ألا وهي الجزائر. تعتبر الجزائر أكبر الدول العربية مساحةً، ومن أكثر الدول التي تشمل العديد من مختلف الثقافات، وهذا ما



محطتي اليوم دولةٌ ذات قيمة، وهي إحدى الدّول التي أحببتها وقد سمعت الكثير عنها، ألا وهي الجزائر. تعتبر الجزائر أكبر الدول العربية مساحةً، ومن أكثر الدول التي تشمل العديد من مختلف الثقافات، وهذا ما قد جذبني لزيارتها بشدّة، كونها ذات تاريخٍ عريق، وحضارةٍ أصيلة.

حينما وصلت إلى الجزائر، استقبلني صديقي بوجهٍ طَلِق، وقد حيّاني بحرارة. وفي تجوالنا حول المدينة، تبادلنا أطراف الحديث، وعَجِبتُ لما سمعت، فقد أخبرني صديقي أن شهر رمضان الكريم لا يعد كركنٍ من أركان الإسلام فحسب، بل قد انغرس في ثقافة مجتمعهم، وأنّهم يتأهّبون لاستقباله حسن الاستقبال، حيث أنّهم يقومون بتنظيف المنازل واستخدام الأواني الجديدة خصّيصًا من أجل هذا الشهر الكريم.

وبالفعل، لم يخب ظنّي ألبتّة، فحيث كنت أتجول، علت البسمة والبهجة وجوه الأطفال، وبدت عليهم فرحة قدوم هذا الشّهر الفضيل، وتراوحت أنشطتهم ما بين أناشيد وألعابٍ ورقصٍ ومرح. كما طَرِبَت أذناي لما سمعته من تواشيح وأناشيد التي ملأت شوارع الجزائر فرحةً وبهجة، لم يسعني سوى الابتسام في دهشةٍ وفرحة.

قبيل صلاة المغرب، وجدتُ موائد الرحمن تملؤها شتّى المأكولات، وقد خُصّصت موائد الرحمن من أجل عابري السبيل والمحتاجين ومَن لا قوت له، وكان ذلك أحد مظاهر جود أهل الجزائر.

مائدة الرحمن

كما أنّه قد حلّ الصمت في شوارع المدينة، ممّا دل على اقتراب موعد الإفطار، ولم نسمع سوى خُطى مَن كان يتّجه إلى المسجد ليؤدي فريضة الصلاة.

دعاني صديقي لأشاركه وجبة الإفطار، فجلسنا حول مائدة الطّعام منتظرين أذان المغرب. ولكيلا أكذب عليكم، فقد كنتُ منهكًا للغاية، حيث أنّهم يصومون 16 ساعةً ونصف. وبعد أن سمعنا أذان المغرب، كسرنا صيامنا على بعض التمرات وكأسٍ من حليب، وهكذا هي العادة لكسر الصيام على موائد الجزائريّين، وقمنا لأداءِ فريضة المغرب وعدنا مجدّدًا إلى سفرة الطعام لاستكمال الإفطار.

وتتفنّن نساء الجزائر في تزيين وإعداد أشهى الأطباق على وجبة الإفطار، فقد تنوّعت الأطباق والأكلات، وأشهرها “الحريرة” وهي شوربةٌ مكوّناتها العدس والطماطم وقطع اللحم، تُقدّم بجانب “البوراك” وهي إحدى المعجّنات المقليّة ويكون بداخلها لحمًا أو دجاجًا أو بعض الجبن، و”المعقودة” هي كراتٌ مصنوعة من التونة والجبن والبيض والطحين والبطاطس والبقدونس، ويُحشى بداخلها الجبن، وتُقدَّمان كوجبةٍ أساسية لا تكاد تخلى من بيتٍ جزائري.

البوراك

المعقودة

آه كدت أنسى! هناك أيضًا “الطواجن”، وهذا ما تتميّز الجزائريّات في صنعه ويكون مرقًا إمّا مالحًا أو حلوًا، يُقدّم مع اللحوم والبقوليّات والخضراوات. وكان أبرز أنواع هذه الطواجن المحلّية “طاجن الزّيتون” و “طاجن الحلو”، و “طاجن الجلبانة” المكوّن من بازلاء وبيض ولحم وجبن ولوبيا مجففة. بعد الانتهاء من وجبة الإفطار، كانوا يخبرون بعضهم البعض: “صحّ فطوركم”.

طاجن الجلبانة

طاجن الحلو

طاجن الزيتون

بعد أن انتهينا من صلاة التّراويح، عدنا مجدّدًا إلى منزل صديقي، حيث تفاجأت أنّ السّفرة ما زالت قائمة، إلّا أنّها كانت مزيّنة بأطباقِ الحلوى، والتّي قد فتحت شهيّتي مجددًا للأكل، وانتابتني رغبةٌ عارمة في تذوّقها، ومن أبرز تلك الأطباق: “المحنشة” وهي  الأكثر شعبيةً ومنشؤها الجزائر، وهي تتكوّن من ورق البسطيلة؛ أي: طبقة رقيقة من العجين، ويكون بداخلها اللوز المبشور، والزبدة والسكّر وماء الزهر، وحقًا كانت من ألذّ ما قد تذوّقت. ويوجد كذلك “الزلابِيَة” و”أصابع القاضي” و”القطائف”، و”قلب اللوز” أو كما تُعرف عند بعض الدّول المجاورة باسم “هريسة” إلّا أنّها تكون محشوّة باللوز المبشور، .

قلب اللوز

المحنشة

 

 

 

 

حينما هَمِمت بالمغادرة، أصرّ صديقي على أن أجالسه حتّى وجبة السّحور، حيث قد أعدّ لي مفاجأة، فجالسته وتبادلنا أطراف الحديث عن احتفالاتهم في الشهر الكريم. وقد علمتُ منه أن في ليلة الخامس عشر من رمضان تتزيّن السّفرة بمتنوّع الأطباق، وتزور العائلات بعضها البعض، كما أنّه حدثٌ مهمّ بالنسبة للأطفال؛ وهو التصويم، حيث يصوم الطفل ابتداءً من ليلة الخامس عشر من رمضان، ولكي يساعدوه على ذلك، يُجهّز له مشرب (إناء) من الماء والسّكر والليمون، بداخله خاتم ذهبي أو فضّي؛ ليترسّخ بداخلهم قيم الصيام والشهر المبارك، وكل هذا يحدث وسط أجواءٍ فرحة بوجود الأب والأم والجد والجدة وبقية العائلة.

ثم أخبرني أيضًا عن ليلة السابع والعشرين من رمضان، حيث أنّ ختمة القرآن في المساجد تكون في تلك الليلة وتمتلئ المساجد ويعلو صوت المصلّين، وبها احتفالاتٌ عديدة، كمسابقاتٍ لحفظ وختم القرآن، امتدادًا من أول أيام الشهر المبارك، كما أنّ التبرعات تُجمع فيه من أجل المساجد والفقراء والمساكين، كما أنّهم يقومون بختان الأطفال في هذا اليوم، إذا ما لم يكن في أيّ يومٍ آخر، تيمّنًا بهذه الليلة المباركة. ويكون الأطفال في حلّةٍ من الأزياء الشعبية، وتُخضب كفوفهم بالحناء، ويتصدَّرون المجلس كالعريس بحضور الأقارب والأهل والجيران.

ليلة السابع والعشرين من رمضان

ومن العادات الجديدة لدى الجزائريين في رمضان دعوة أهل الفتاة لخطيبها وأهله في هذا اليوم للإفطار معا، وهي فرصة للتقريب بين العائلتين قبل الزواج، ويقدم فيها الرجل لخطيبته هدية تدعي “المهيبة” (تحوير لكلمه هبة)، وعادةً ما تكون خاتمًا أو أساور من ذهب، أو قطعة قماش رفيع.

كنت مستمتعًا للغاية بأطراف الحديث، ولم أودّ أن أقاطعه في حديثه، إلّا أنّه قد اقترب موعد أذان الفجر، وقد حان وقت السّحور.

فرحت جدًا حينما أخبرني صديقي بأنّه سيفاجئني، قدّم إليّ طبقًا معدًّا خصّيصًا لوجبة السحور، يُدعى “الكسكس” وهو مصنوعٌ من القمح الصلب على شكل حبيبات صغيرة الحجم تُطبخ على البخار وأكلته مع اللَّبن الرائب كعادتهم. وهناك من يفضِّل تناول ما تبقى من مائدة الإفطار على السحور.

كسكس

بالفعل، قد كانت الجزائر من أفضل الدّول التي قد زرتها في حياتي. لن أنسى هذا اليوم المميّز. نزلنا لأداء صلاة الفجر، وقد ودّعنا بعضنا البعض، لأنّ أمامي رحلةٌ لا بد من لحاقها.

صحّ رمضانكم وإلى اللّقاء في بلدٍ آخر،
راوي.