راوي: رمضان من المالديف

أعتقد أن اسم البلد وحده كفيل أن يجذبني للذهاب إليها، فعندما فكّرت فى الذهاب كنت أعلم أنها تلك الجُزر التي اشتهرت بالرومانسية خلال الآونة الأخيرة وإقبال السائحين عليها من كل مكان؛ ليتمتعوا بجمال طبيعتها



أعتقد أن اسم البلد وحده كفيل أن يجذبني للذهاب إليها، فعندما فكّرت فى الذهاب كنت أعلم أنها تلك الجُزر التي اشتهرت بالرومانسية خلال الآونة الأخيرة وإقبال السائحين عليها من كل مكان؛ ليتمتعوا بجمال طبيعتها وسحر هدوئها، ولكن عزمت على أن تتوقف طائرة اختياراتي في أرضها لأكتشف الكثير عنها. فما لا يعرفه الكثير من الناس أنها دولة إسلامية وتتكون من 1119 جزيرة. وكان يسميها العرب قديمًا (ذيبة المَهَل) أو (محلديب) ومع الوقت أصبحت تُنطق (مالديف).
لا يعرف سكان جزر المالديف دينًا غير الإسلام، حيث أن إجمالي عدد سكانها الذي يقدر بـ 309 ألف يدينون بالإسلام. وما فاجأني خلال التجوال هناك أنه ينحدر غالبيتهم من أصول هندية وسيرلانكية، فهي من البلاد القليلة جدًا بعد الحرمين الشريفين التي لا تقع عيناك فيها إلا على مسلم -عدا السائحين بالطبع.

فعند سفري إلى هناك، التقيت بشاب مالديفي حدثني عن الأجواء الرمضانية التي يستعدون لها منذ بداية شهر شعبان. وبالفعل أثار إعجابي أن الاستعدادات الرمضانية عندهم بالمالديف لا تبدأ قبل الشهر الكريم بأيامٍ فقط مثل معظم الدول الإسلامية، بل يبدأ الاستقبال للشهر الفضيل قبلها بشهر كاملٍ على أقل تقدير وهذا ما أكده لي كل من حالفني مقابلته هناك. وأسعدتني جهودهم من بداية شهر شعبان في تزيين الشوارع والبيوت، فعلمت أن المساجد قد كانت مُضاءة والصفوف تزداد فى الصلاة كما هو الحال الآن، وكأن الشعب كله يستعد لمُباراةٍ ضخمة، ألا وهي سباق التقرب إلى الله في شهر رمضان.

وبعد أن عشت أجواءًا ممتعة من خلال حكايات الشاب لي، أخبرني أن كل الطاقة الإيمانية تلك تزداد فور الإعلان عن رؤية هلال شهر رمضان من طرف مُفتي الدولة بعد مُراقبته من قِبَل اللجنة المتخصصة. وقال لي أن كل ملامح الشوارع تتغير لتكتسي طابعًا روحانيًا أكثر مما كانت عليه، وأنهم يقومون بإشعال المصابيح في المساجد وعلى السواحل؛ لكي تُنير لهم وقت السَحَر.

وما أمتعني بشدة هو تقليص عدد ساعات العمل وتنشيط حركة التسوّق والزيارات العائلية، إضافةً إلى الخصومات الهائلة التي يقدمها التجار والمؤسسات ابتهاجًا بالشهر الفضيل. وأيضًا لاحظت إغلاق جميع المطاعم أثناء ساعات الصيام لأنهم جميعًا مسلمون.

تخيلت أنني سأعيش طقوسًا أجنبية عن طقوسي المُعتادة.، ولكن فاجأني هذا الشعب الجميل بوجود كل ما اعتدتُ عليه. فوجدت المسحراتي بنفس الصورة التي اعتدت عليها في بلدي، ووجدت مدفع الإفطار والذي استمتعت بسماع ضربتِه على الساحل.

صُمت هنا حوالي ١٦ ساعة ثم دق المدفع، فوجدت أنه ينتشر الهدوء التام وقت الإفطار لانشغال كلٍّ بطعامِه. ها قد بدأت الإفطار لأكتشف المائدة الرمضانية هناك، ورأيتهم يُجهزون طاولة شهيّة ومفيدة في آن واحد. واكتشفت أن المطبخ المالديفي ماهو إلا مزيج من المطبخين: العربي والهندي. قُدِّم إليّ في بيت الشاب المالديفي وجبة اسمها بالهندية التونة بالكاري المالديفية (Dhon Riha)، وكان طعمها خليطًا هنديًا مالديفيًا، ومكوناتها هي حليب جوز الهند والكاري الهندي والقرفة، وعندما أحسست بطعم جوز الهند تأكّدت فعلاً أني على جزيرة. وتذوقت كذلك العديد من الأطباق التي تحتوي على الكاري كمكوّن رئيسي لها، مثل: شوربة الفراخ بالكاري ومرجان البحر بالكاري والخضار بالكاري.

وجبة التونة بالكاري المالديفية

خضار بالكاري

 

 

 

 

ومن أجمل ما رأيت فى هذا الشهر الكريم أن المساجد كانت تمتلئُ بالمصلين رجالًا ونساءً. وكذلك تعرّفت على طفلٍ جميلٍ والذي أرشدني إلى جدول لمواقيت الدروس الدينية التي تُعقد لتسميع القرآن الكريم وتعلُم تلاوته، وفرحت للغاية مع الأطفال لجمال صوتهم وهم يُرتلون القرآن ويُرددون خلف القارئ. وهنا أضاف إليّ الشعب المالديفي أن دور التربية الرمضانية في تعليم وتدريب أبنائهم الصغار على الدعوة إلى الله مُتيقظٌ عندهم.

مسجد يوم الجمعة في رمضان في المالديف

وبهذا أكون قد انتهيت من رحلتي فى جُزر المالديف وعليّ توديعكم فأقول shukuriyyaa بمعنى (شكرًا لكم) لمرافقتي خلال رحلتي،
ورمضان مبارك عليكم أينما كنتم،
رفيقكم راوي.