راوي: رمضان من السنغال

بعد زيارتي الممتعة التي زرت فيها أوغندا، قررت أن أزور بلدًا إفريقيًا آخر. فتحت ذلك الكتاب الذي يوجد به أعلام البلاد الإفريقية لأختار، فوقع اختياري على بلدٍ يتمتع بطبيعة خلابة لأقضي فيه أحد أيام



بعد زيارتي الممتعة التي زرت فيها أوغندا، قررت أن أزور بلدًا إفريقيًا آخر. فتحت ذلك الكتاب الذي يوجد به أعلام البلاد الإفريقية لأختار، فوقع اختياري على بلدٍ يتمتع بطبيعة خلابة لأقضي فيه أحد أيام شهر رمضان المبارك: السنغال. اتجهتُ إلى غرب القارة، حيث تقع داكار عاصمة السنغال.

عَلَم السنغال

عندما وصلت إلى هناك، تعرّفت على بعض الصبية الذين دعوني إلى قضاء اليوم معهم. يتحدث السنغاليون اللغة الفرنسية إلى جانب عدد من اللغات المحلية، كالسونينكية والفولية وغيرها. حكى لي أصدقائي عن تاريخ بلدهم. فأخبروني أنها تعد أحد أقدم البلاد الأفريقية التي عرفت الإسلام في بدايات القرن الحادي عشر عن طريق إحدى القبائل التي كانت تعيش في البلاد. “صناهجة” التي تمتد إلى شمال موريتانيا، ومنها امتد إلى باقي القبائل. يدين بالإسلام حوالي 96% من سكان البلاد.

لاحظت خلال تجوالي مدى تديّن أهل البلد، فالمساجد مليئةٌ بالمصلّين، والذين في الشوارع ووسائل المواصلات يحملون مصاحف صغيرة. أخبرني أصدقائي أن مع بداية الشهر الكريم، يصبح المسجد كخلية النحل، حيث تعلو فيه أصوات تلاوة كتاب الله ليلاً ونهارًا، كما تكثر الدروس الدينية، ما بين تفسير وسيرة وحديث وروحانيات عن الشهر الكريم وفضله وبركته، إذ إن الشعب السنغالي متدين بطبيعته ويقبل على المساجد ودروس العلم والدين ويحترم العلماء المحليين والوافدين خاصّةً علماء الأزهر، ويستجيبُ لتوجيهاتهم في رمضان وغير رمضان. وقد حرصت أنا وأصدقائي على حضور إحدى تلك الدروس التي عادةً تقام في المساجد من الظهر وتمتد حتّى صلاة العصر.

كما علمت أن المساجد تنظم مسابقات دينية كثيرة طوال شهر رمضان، ويرصد لها الأغنياء التبرعات والجوائز القيمة، الأمر الذي يشجع على متابعة الندوات الدينية وتلاوة القرآن وحفظه في رمضان بصفة خاصة، فأغلب الشعب يهتم بختم القرآن مرتين خلال رمضان.

مسجد توبا في السنغال

وبعد صيامٍ طال أربعة عشر ساعة، ارتفع صوت أذان المغرب المحبب إلينا. أسرعنا إلى المسجد، وأديّنا صلاتنا، ثم عدنا إلى منزل أصدقائي الجدد لنفطر. ولاحظت أن الشعب السنغالي من أكرم ما يكون في رمضان، حيث تعدّ الموائد في البيوت لتسع الجميع، سواءٌ كانوا أقرباء أم غرباء أم عابري سبيل، لدرجة أنه من الممكن أن يجلس على المائدة إنسان لا يعرفه أحد ويتناول الطعام ثم يرحل دون أدنى امتعاض أو ضيق من صاحب المائدة مثلما حدث معي بالضبط.

موائد جماعية

وبعد أن جلسنا إلى المائدة، نصحني أصدقائي بشرب الماء أولًا أو أيّ مشروبٍ ساخن؛ لأنه ألطف على المعدةِ من المشروبات الباردة. واكتظّت المائدة بالمأكولات الشهية، كوجبة “الجيبوجين” التي تتكوّن من الأرز الأحمر والسمك. وكذلك وُجدت وجبة “الوبوليت” المكونة من الأرز والسمك. ويسيطر السمك على المائدة؛ لوفرته من نهر السنغال.

جيبوجين

وبعد أن انتهينا من الطعام، توجّهت معهم لأداء صلاة التراويح، وقد فوجئت بأن الجميع يتوجه إليها! فالتاجر قد أغلق محله، والبائع ترك بضاعته، وأسرع كذلك الأطفال والنساء إلى المسجد.

ودّعت أصدقائي من السنغال بعد الفراغ من الصلوات، وقد أبلغتهم مدى سعادتي وانبهاري ببلدهم الجميل وتديّنهم الجميل؛ مدركًا مدى صدق شعار بلدهم: “شعبٌ واحد، هدفٌ واحد، إيمانٌ واحد”.

وإلى اللّقاء أنتم أيضًا،
Nosmeilleurs voeux pour une nouvelle heureuse annee أي: كل عامٍ وأنتم بخيرٍ بالفرنسية التي يتحدث بها السنغاليون،
راوي.