راوي: رمضان من لبنان

محطتي هذا اليوم هي بلد السلام لبنان، التي يفرض بها شهر رمضان المبارك هيبته كل عام ويجمع المسيحيين والمسلمين الذين يتعايشون مع بعضهم البعض في سماحة وحب في ظل عيش مشترك لا يفرق فيه



محطتي هذا اليوم هي بلد السلام لبنان، التي يفرض بها شهر رمضان المبارك هيبته كل عام ويجمع المسيحيين والمسلمين الذين يتعايشون مع بعضهم البعض في سماحة وحب في ظل عيش مشترك لا يفرق فيه بين أذان يعلو أو أجراس كنيسة تدق.

مما جذبني هنا هو أن المطبخ اللبناني الذي بالرغم من تشابه أطباقه مع أطباق الدول العربية في رمضان إلا أن شعب لبنان المضياف تفنن في إضافة لمسات جميلة مستوحاة من المطبخ الأوروبي. فعند إفطاري معهم، قدّموا إليّ الكباب اللبناني مع تبولة الكسكس الذي يصنع من الدجاج وليس اللحم، وبعض السلطات اللذيذة، مثل التبولة والفتوش.

كباب لبناني مع تبولة الكسكس

تناولت معهم بعض أنواع الحلويات ومنها ما يُعرف ب”حلوى السفوف” المكونة من طحين ودقيق ولبن وسمن، أيضًا هناك البقلاوة التي تُعرف ب”حدف رمضان” هنا في لبنان، بجانب الكنافة والمعمول و”البرما” والكلاج -الجلاش- والقطائف.

حلوى السفوف

بعد أدائي للتراويح، تأثرت بظاهرة “المسحّراتي” الذي صار مع مرور الزمن يشكل جزءًا أساسيًا من تراث رمضان الشعبي وتقليدًا ملازمًا له مثل معظم دولنا العربية. فما إن يهلّ هلال رمضان حتى يتطوع أحد أبناء المدينة بأخذ مهمة “المسحّراتي” فيرتدي زيًا خاصًا كالجلباب ويجول في الشوارع ليلاً ضاربًا على طبلته بقضيب من الخيزران ومرسلاً صوته العذب منشدًا أناشيد دينية ومناديًا الناس بأسمائهم يدعوهم للاستيقاظ لتناول السحور.

مسحراتي في لبنان

ورأيت كذلك أن من عاداتهم قديمًا في كثير من أحياء بيروت هي تجوُّل جَوْقَة وهي عبارة عن مجموعة من منشدي أشعار السحور على أنغام “الرق والمزاهر”، وتعلو أصواتهم في الليالي الهادئة لتُسمع مناجاتهم في كل المنازل التي ننالت إعجابي كذلك. ومن الأشعار التي أتذكّره جيدًا لأنها أثّرت فيّ:
“يا نفس نلت المُنى فاستبشري وسلي هذا الحبيب وهذا خاتم الرسل
وهو الذي عند يوم الحشر نافعنا إذا استغثنا به من شدة الوجل”.

 أما عن السحور، فدعوني أخبركم أن أكثر ما أعجبني مذاقه هنا هو “الفول المدمّس” الذي يختلف طعمه عن أي بلد آخر حيث أعتقد أن لهم خلطة سحرية خاصة تعطيه مذاقًا رائعًا.

فول لبناني مدمس

فيما يخص ساعات الصوم عند اللبنانيين، فقد وصلت هذا العام إلى ١٦ ساعة متواصلة أي أكثر من نصف اليوم، مما يعد مبهرًا أن تقرُّبَهم إلى الله يجعلهم يحتملون كل هذه الساعات الطويلة بدون طعام أو شراب.

أثناء تجولي في شوارع بيروت، لاحظت أن ملابس الناس في رمضان لا تتميز هنا كثيرًا، لكن مما يميز هذه الفترة هي عبارة “تياب العيد” والتي تخص الأطفال غالبًا، فمن العادات اللبنانية المُتعارف عليها هي شراء ملابس جديدة حتى يحتفل الصغار بالعيد مرتدين إياها. وما أبهرني أكثر هو أني وجدت أن هناك العديد من المتاجر التي تعطي ثياب العيد مجانًا للفقراء، حيث دخلت محلاً من المحلات التجارية الكبيرة ووجدت أن صاحبه قد خصص جزءًا من بضاعته لغير القادرين على الشراء، وعلمت منهم أن هناك محلاتٍ كثيرةً في لبنان تفعل نفس الشيء. وهذه العادة أوضحت لي مدى نقاء الشعب اللبناني ومحبته لفعل الخير.

وشد انتباهي هنا طرق التزيين المختلفة، حيث تنتشر المجسمات الرمضانية الكبيرة، كالنوافير المحاطة بالفوانيس والأهلة والزينة الورقية الملونة كما رأيت مجسّمات كبيرة مكتوب عليها “I Love Ramadan” أي بالعربية: أحب رمضان، والتي تلقى إقبالاً من الناس من مختلف الأعمار لتزيينها والتقاط الصور بجانبها.

مجسّم تحمل كلمة “أحب رمضان”

وأحببت لهجة اللبنانيين في نطق عبارة “رمضان كريم” التي لا تختلف في كتابتها بالعربية لكن لها مذاق خاص من أفواه هذا الشعب الطيب.

إلى اللقاء في الغد في بلد آخر،
رمضان كريم،
يعطيكم العافية (أي: الله يعافيكم)،
صديقكم الرحّال راوي.