راوي: رمضان من باكستان

"فلتأخذني قدماي إلي مكانٍ ما لا أعرف عن ثقافته شيئًا" - راوي



يا لها من رحلاتٍ رائعة! لقد استمتعت كثيرًا بالأجواء الرمضانية المختلفة التي ملأت قلبي بالسرور، وروحي بالراحة والسلام. إنّه لشعورٌ فريد لم أشعر به إلا عندما بدأت بزيارة البلاد المختلفة، لأندمج مع هذا الاختلاف. ولكن، هل هذه آخر مرة سأشعر فيها بهذا الشعور الرائع؟ زُرت شتّى البلاد التي لطالما رغبت في زياتها، كما أن عائلتي قد اشتاقت إليّ وينتظرون عودتي. بدأت بالفعل في تحضير أمتعتي لأعود، ولكن شيءٌ ما كان يمنعني عن قراري، شيءٌ ما يخبرني: “لا تَعُد، فهناك الكثير من المُفاجآت في انتظارك لتكتشفها. أكمل طريقك واتّبع قلبك”، وربما كان هذا صوت فضولي للمعرفة أو شغفي للسفر. وفي نهاية المطاف، اتّبعت قلبي وعزمت على السفر. لكن هذه المرّة، اخترت أن أعيش الأجواء الرمضانية الباكستانية تحديدًا في مدينة لاهور، وهي أحد أشهر مُدنها.

وصلت منذ ساعات قليلة، ولم أحظَ بوقتٍ كثيرٍ للراحة، فقد قادني فضولي للتجوّل في شوارع وأحياء لاهور حتّى أكتشف جمالها الرمضاني. كانت الشوارع مليئةً بالزينة والأضواء البسيطة، ولربما ينبع جمالها من بساطتها وجوٍّها الذي يفيض ودًّا وترحابًا. فكان الناس وهم متجهون إلى المساجد أو المنازل أو العمل يحيّون ويهنّئون بعضهم البعض قائلين: “رمضان مبارک”، وظننت في بادئ الأمر أنهم يتحدّثون العربية حتى تذكّرت أن اللغة الأوردية قريبةٌ من العربية في  طريقة كتابتها ونُطقها. وكان يزيد الترحاب بي عندما يعرفون أني لست من أهل البلد، فالمعروف عن الباكستانيين أنهم لِطافٌ ويرحبون بزائريهم، وهذا ما حدث معي بالضبط. فخلال تجوُّلي، سألتُ أحد المارّة عن عدد ساعات الصيام، فعلمت أنها 15 ساعة ونصف. مرت ساعات كثيرة وأنا مازلت بالخارج، وقد اقترب موعد الإفطار. لم أعرف أين سأُفطر ككل رحلة، فأوقفت أحد المارة مستفسرًا إيّاه عن أقرب مطعم لأتناول فيه الفَطُور، فدعاني لأشاركه الإفطار مع عائلته، وكان مُصرًّا على دعوته، فَلبّيتها.

ونحن في طريقنا إلى منزله، أخبرني أن مدينة لاهور تشتهر بالطعام المُحلّى، وأن المطاعم تواصل العمل حتى الصباح، وعلمت أيضًا أن هناك مطاعم مخصصةً للسحور فقط. ثم توقفنا عن الحديث، فقد وصلنا إلى المنزل وقد بدأنا في إعداد المائدة. لم يمر وقتٌ طويلٌ حتى سمعنا أذان المغرب. وفي تلك اللحظة، قدّموا إليّ كوبَ عصيرٍ مع بعض الكعك والتمر لأكسر صيامي بهم. ثم تناولت السمبوسة والكباب الشامي على الإفطار وبعض “الباكورا” وهي وجبة مكونة من الحمص والخضروات والفواكه واللحم أو السمك. أما عن الحلويات، فلم تخلُ المائدة من سلطة الفواكه والزلابية -رغم أن شكلها يختلف عن الشكل الاعتيادي الذي قد تعوّدت على رؤيته- وعصير اللاسي، وهو مكون من الزبادي والقشطة والسكر والتوابل والفواكه والقرفة.

عصير اللاسي

pakora

باكورا

 

 

 

 

 

 

بعد أن تناولت وجبة الإفطار، شكرت العائلة اللطيفة تلك على كرمهم وجودهم معي، ثم انطلقت مجددًا أحوم في أحياء لاهور ليلًا. فطُرِبت أذناي بالأناشيد الدينية التي تملأ شوارع لاهور من وقت الإفطار حتى السحور. كما أنّي استمعت إلى فرقةٍ توقظ النّاس ليتسحرّوا بأناشيدَ مادحةٍ للرسول -صلى الله عليه وسلم- متبوعةٍ بقرع الطبول ليلًا.

ذهبت لأجرب إحدى المطاعم المخصصة للسحور التي كلّمني عنها الرجل الذي أفطرت معه، ومضيت أسأل الطبّاخين عمّا يقدّموه من وجبات، فقال لي أحدهم أنهم يقدّمون الأطباق الأكثر شعبيةً وغالبًا تحتوي على طعام مقلي، مثل: “فطيرة براثا” التي هي فطيرة محشوة ببعض الخضروات كالبطاطا أو الفجل أو القرنبيط. ويضاف إليها في بعض الأحيان الزبدة. وشاور على طبقٍ آخر يُدعى “الچھولي” وقال أنه أكلة مكونة من الحمص والبصل والطماطم والثوم والفلفل الحار وبذرة المانجو المجففة. ومن بين هذه الأطباق، طلبت “حلاوة بوري” وهي أكلة مكونة من الحلاوة والحمص والخبز المقلي. والمعروف أن هذه الأكلات تمد الناس بالطاقة وتساعدهم على الصيام، وبالفعل كنت نشيطًا في اليوم التالي. وتُقدّم المشروبات المتنوعة كذلك، إما ماء الورد بالليمون أو الشاي الأحمر أو الأخضر، وهذه المشروبات تحمي الناس من العطش.

حلاوة بوري

فطيرة باراثا

الجهولي

تلك كانت رحلتي في باكستان، ويا لها من رحلة! ويا لها من تجربة! يا ترى ما هي وجهتي القادمة؟ وماذا تطوي بقيّة الحضارات من عاداتٍ رمضانية؟

“خدا حافظ” أو بالعربية: مع السلامة،
رمضان مبارک،
راوي.