راوي: رمضان من الأردن

محطتي اليوم هي المملكة الأردنية، ويكفي لموقعها الجغرافي بأن يملأ قلبي بالحماس، فهي تتوسط الشرق الأوسط بوقوعها في الجزء الجنوبي من منطقة بلاد الشام، والجزء الشمالي لمنطقة شبه الجزيرة العربية، فهي كذلك متصلة بكل الدول



محطتي اليوم هي المملكة الأردنية، ويكفي لموقعها الجغرافي بأن يملأ قلبي بالحماس، فهي تتوسط الشرق الأوسط بوقوعها في الجزء الجنوبي من منطقة بلاد الشام، والجزء الشمالي لمنطقة شبه الجزيرة العربية، فهي كذلك متصلة بكل الدول العربية. وهذا مما دفعني إلى زيارتها في رمضان، وسأحكي لكم كيف قضيت يومي في أجواء رمضان داخل الأردن.

“عالعافية” قالها بائع الفوانيس مُرحبًا بي في أحد الشوارع في الأردن، فقد كنت شارد الذهن وأنا أتفقّد شكل الأحبال المضيئة التي تملأ الشوارع والأحياء وتلتف على الأشجار، وهي تحمل بعض العبارات المهنئة والأشكال المُنتوعة من الزينة، أشهرها الهلال الذي يتوسطه نجمة. ولم أُلاحظ أنه مدّ إليّ بعض التمر لاقتراب ميعاد آذان المغرب.

ذهبت مُسرعًا إلى صديقي الأردني لكي نُفطر سويًا، وكان قد أعدّ لي مائدة متنوعة من الأكلات الأردنية المميزة، كان يتوسط المائدة “المُنسف” وهو عُبارة عن لبن رائب مع مرق اللحم البلدي والأرز والرقاق، وأيضًا “تبولة” وهي من السلطات الرئيسية في رمضان، بالإضافة إلى “المُسخّن” والتي تتكون من خبز بلدي مع بصل مقلي وزيت زيتون ولحم دجاج مُحمَّر مع سُمّاق، إلى جانب أطباق الخُضار والأرز والفتة، وحينها تيقنت لماذا عُرف هذا الشعب بالكرم!

المُسخّن

المنسف

بعد أن انتهينا من الإفطار، بدأنا بالاستعداد لقضاء صلاة العشاء والتراويح، وذهبنا نصلي في مسجد “الحسيني” القابع في وسط العاصمة عَمّان، حيث أنه يذهب إليه الناس لقضاء الصلاة والعبادات لأنه ذو قيمة تاريخية وتميُّز بطرازه الدمشقي في الفنون والعمارة الإسلامية، ثم عدنا إلى المنزل لنرتاح قليلًا ونتناول الحلويات، منها قطائف بالجوز والجبنة وقمر الدين والكنافة والعرقسوس.

مسجد الحسيني

ولاحظت ارتداء بعض المصلين الأزياء التقليدية، فقد قرأت من قبل عن تميّزها بأصالتها وتنوُّعها، فالنساء يرتدين أنواعًا كثيرة من الأثواب، مثل: الثوب الأردني المعروف ب”المدرقة” ويكتمل الزي بأحد ألبسة الرأس مثل “العُصبة” و”الشنبر”، أما الرجال فعكس النساء حيث تتشابه ملابسهم جميعًا، منها القمباز والدامر وبعض ألبسة للرأس، مثل: الشماغ والعقال، فالشعب الأردني يهتم بتغطية الرأس في ملابسهم التقليدية في الرجال والنساء.

مثال لملابس الرجال في الأردن

 

مثال لملابس النساء في الأردن

وقبل منتصف الليل، أفزعتني أصوات طبولٍ في الشارع وصراخ بكلام غير مفهوم، فقال لي صديقي أنه صوت “المُسحّرين الشباب”، وهم مجموعة من الشباب يجولون في الأحياء وليست مُرتبطة بميعاد السحور، فعدد ساعات الصيام في الأردن هذا العام 16 ساعة، فاطمأن قلبي لمعرفة ذلك وأكملنا حديثنا المُشيق عن الأردن وما فيها من طقوس.

أخذ يحكي لي عن الليالي العشر وكيف يختفي الناس من الشوارع ليزيدوا اجتهادًا في الصلاة والقيام وتلاوة القرآن والذكر، وتراعي وزارة الأوقاف والمقدسات الإسلامية الأنشطة الدينية في مثل هذه الليالي المباركة.

ثم ذهبنا لنكمل الليلة في إحدى الخيام الرمضانية المنتشرة في شوارع الأردن، وهي تنقسم إلى نوعين: خيام ذات طابع ديني حيث ترتيل القرآن الكريم وغناء أناشيد دينية، وخيام ذات طابع شعبي وترفيهي بها حفلات غنائية ورقص.

مرّ الوقت سريعًا حتى وجدت نفسي مُضطرًا لأن أستعد لمحطتي القادمة، وقلبي مُتردِّد بين حزني الشديد على ترك هذا الجو الذي ملأني طمأنينةً لِما وجدت من تقاليد رمضانية متنوعة مُجتمعة في مكانٍ واحد وبين حماسي لزيارة بلاد أخرى وإكمال رحلاتي، شكرت صديقي الأردني على مجهوده معي وتعاهدنا بأن نلتقي مرة أُخرى، ثم أخذت أستعد لأزور بلدًا آخر.

أراكم قريبًا،
رمضان كريم، وينعاد عليكم بخير،
صديقكم راوي.