راوي: رمضان من فلسطين

لطالما اشتاق قلبي لفلسطين الحبيبة التي لم أرها قط، ولكنّ روحي تميل إليها طيلة الوقت. فلسطين، أحلى البلاد وأطيبها، فلسطين المثابِرة والمقاوِمة. فما بالك إذا اجتمعت أجمل البلاد مع أجمل الشهور؟ رمضان، شهر نقاء الروح



لطالما اشتاق قلبي لفلسطين الحبيبة التي لم أرها قط، ولكنّ روحي تميل إليها طيلة الوقت. فلسطين، أحلى البلاد وأطيبها، فلسطين المثابِرة والمقاوِمة. فما بالك إذا اجتمعت أجمل البلاد مع أجمل الشهور؟ رمضان، شهر نقاء الروح وصفاء النفس وراحة البال. محطتي اليوم هي فلسطين.

ما أن وطأت قدماي أرض فلسطين حتى تملكتني الأجواء الرمضانية المحيطة بي، فوجدت المجتمعين: منهم من يعلقون الزينة غامرين الحارات بها، ومنهم المهللين والمكبرين من العامة بالميادين احتفالًا بالشهر الفضيل داعين الله لأنفسهم وأُسَرِهم وأسْرَاهم، ومنهم الذين يشترون الفوانيس لأطفالهم. وما أعظم دور الأطفال في إتمام بهجة رمضان، وقد تولّوا مسؤولية السير في المواكب والغناء! أول تلك المواكب قديمًا كانت موكب “مدفع غزة الأثري” والذي اعتاد أن يدوّي كل يوم معلنًا موعد الإفطار، ولكنني سمعت عنه فقط للأسف؛ لأنه توقف منذ عام 1967 بمجيء الاحتلال. ثاني موكب تاريخيًا هو “موكب المسحراتي” الذي لا يزال يقوم بدوره حتى بعد استعاضة الآلات الحديثة به.

تعرّفت على بعض العائلات هناك، وعلمت منهم أنهم يصومون ما بين ال15-16 ساعة. كما تعرفت أيضًا على عاداتهم منذ قديم الزمان. العائلات الفلسطينية معروفة بكثرة عدد أفرادها، من بينهم كبير العائلة وهو المسئول عن زيارة أفراد العائلة كلهم مع بداية رمضان وتقديم الهدايا لهم، والآباء مسئولون عن تعليم أطفالهم الصيام منذ صغر سنهم فيما يُعرف ب”درجات الميدنة” أي: المئذنة، فيصومون في البداية نصف يوم فقط فأكثر فأكثر تدريجيًا مثلما يصعد المؤذن درجات المئذنة، لذلك تُسمى بهذا الاسم تشجيعًا لهم. أما عن النساء، فمن المتعارف عليه أن يشتري لهن الرجال المكسرات والفواكه والملابس والحُلي وغيرهم فيما يُعرف ب”فقدة رمضان”، كما أن شأنهن بالطبع شأن كل نساء العالم في رمضان، معروفات بالموائد و”العزومات” للأهل والأصحاب والجيران في رمضان شهر الكرم.

وإذا انتقلنا إلى المائدة ومحتوياتها، فإنني وجدت أنها تمتلئ بالأصناف الفلسطينية، مثل: المسخَّن الفلسطيني ذي الدجاج والخبز وحب الهيل، والمسنف المكون من الأرز واللحم مع البهارات، بالإضافة طبعًا إلى السلطات والمخللات كفواتح للشهية مع أنواع التمور المختلفة. أما عن المشروبات، فهي ككل مشروبات البلاد العربية في شهر رمضان؛ الخروب والعرقسوس والتمر الهندي وأمثالهم من المشروبات الرمضانية التي تروي العطش. وبالنسبة إلى الحلويات، فأكثرها انتشارًا في فلسطين هي القطائف إلى جانب أنواع الكنافة الكثيرة وغيرهم.

مسخّن

مُنسف

مُنسف

 

 

 

 

كما وجدت أن أهل فلسطين يهتمون بالعبادات في شهر العبادات، فإن معظمهم يكسرون صيامهم بالتمر أُسوةً بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ثم يذهبون لصلاة المغرب قبل الإفطار. وعند عودتهم، يتجمع الأطفال مغنّين الأغاني الفلكلورية كأغنية “السوق نازل” و”رأس السكر” وأغنية التاجر الذي ذهب لمدينة حلب واشترى لزوجته الجديدة أساور من ذهب واشترى لزوجته القديمة أساور من خشب. ويؤدي الفلسطينيون صلاة التراويح قبل الانتشار لقضاء بقية يومهم. ومما يدعو للأسف الشديد هو عدم قدرة معظمهم على الصلاة بالمسجد الأقصى -وكم كنت أتمنى أن أصلي فيه- ولكن دخوله يحتاج تصاريح طويلة ولسنٍ معين فقط، فيكتفي المقدسيون بالتجمع عند “بوابة دمشق” بالقرب منه والصلاة هناك. بعد صلاة التراويح، تجتمع فرق الإنشاد الديني في “سوق القطانين” المجاور للمسجد الأقصى لتتبارى في إمتاع الحاضرين بمدح النبي -صلى الله عليه وسلم- والغناء إلى جانب الخطب وحلقات الدراسة والدين والفقه.

وبالرغم من هذا الكم الهائل من الجمال، إلا أنني سمعت أن رمضان اعتاد أن يكون أجمل وأرقى قديمًا، فمن أكثر الجمل التي قالها لي كبار السن: “كُنّا على زماننا نِعمَل هيك وهيك، مش زي أيامكم!” آه! كم ازداد حبي لفلسطين ولرمضان باجتماعهما معًا في ذاكرتي وقلبي في آنٍ واحد!

كل سنة وانتوا سالمين،
راوي.