مسجون في الماضي

الهادئون دومًا هم المُبعثرون في هذه الحياة، فغالبًا إما أن يُساء الظنُّ بهم وإما أن لا يفهمهم المحيطون بهم



من الأمور المؤسفة أنني لازلت مُحتجزًا في الماضي، ما زلت متعلقًا بالنسخة القديمة من كل شيء.. رفاق الماضي، أحبة الماضي، اجتهاد الماضي، التزام الماضي، نفسية الماضي.  فكلما حاولت استحداث نسخة جديدة من تلك الأشياء فشلت بسبب الصعوبات الجديدة التي ارتطم بها، فالأمور لا تسير كما خططنا لها على الإطلاق، والوحدة تظل معضلة كبيرة فعندما تعيشُ بعيدًا عمن حولك تتصعّب الأمور عليك.

الوحدة تعتبر أحد الأعراض الجانبية للاحتضار النفسيّ. في حقيقة الأمر -بالنسبة لبعضنا البعض- نحن مجرد فكرة تدور في الخاطر، مرحلة زمنية تمر وتنتهي معها حياتنا. ولكن الفكرة إن أتُبعت بالعمل المادي تنمو وتكبر وتطرح ثمارًا للأجيال القادمة لتُكملَ المسار، وهذا هو المغزى والهدف من علاقة الصداقة تلك، العلاقة التي تعطي انطباعًا غريبًا ومُثيرًا للإعجاب في النفس.. الأوقات التي نقضيها  معًا، الأماكن التي نذهب إليها، الصور التي نلتقطها، تلك الصور التي بعد فترة تصبح ذكرى جميلة، ولكن الصور لا تُعطي الذكري الكاملة بل تحفر انطباعًا في النفس. انطباعٌ يزيد الحنين والاشتياق لتلك الفترة، ذلك الشخص الذي كنته.

 نعودُ مرةً أخرى إلى الحنين، إلى النسخة القديمة ونعودُ إلى الاحتجاز في الماضي على الرُغم من أن الانشغال بالماضي هو من أسوأ الأشياء لأن من طَرق الماضي أضاع المستقبل. و إن من عيب الحياة أنها تصنعُ الذكريات، وعيب الذكريات أنها لا تعود، وإن من الأمور المؤسفة أن تقبع في ألمك بمُفردك لا يشاطرك إياه أحدٌ ما.

تسكنُ في هدوء، تتألم في صمت! للأسف.. الهادئون دومًا هم المُبعثرون في هذه الحياة، فغالبًا إما أن يُساء الظنُّ بهم وإما أن لا يفهمهم المحيطون بهم أو يخطئون في فهمهم. كلنا بداخلنا شيءٌ يحتضر؛ إما حُلم، إما أمنية، إما ذكري، إما يوم من شدة جماله لن يتكرر أبدًا. وبالرُغم من كل تلك الحواجز والأفكار التي تأسرنا  في الماضي، يظل لدي يقين بحدوث تغير ما، ولعل وادي الشوك الذي تحيا  فيه يُنبِت الله فيه زهرًا من أملٍ عما قريب.

ويبقى الأملُ بأن أجمل الكلمات تلك التي لم تُكتَب بعد، وأن أجمل الأحلام تلك التي لم تتحقق بعد، وأجمل الأيام حتمًا سيكونغـدًا بإذن الله.