قصــــــة صغيرة

للحقِ أخاف عبور الشارع، تبدو السياراتُ قذائف، وإني وإن فضّلت الموت، فلن يكون على قارعةِ طريق، ولكنني تشجعت قليلًا، فسأعبر على أي حال..



في نهار أحد أيام يونيه شديدة الحرارة، يومٌ حانقٌ وحده، دون تدخل العمليات الفسيولوجية المضطربة، والأحساسيس القلقة من أحد الامتحانات التي دفنتُ رُفات مادتها في ورقةِ الإجابة. الطريقُ مزدحمٌ كعادته، بالسيارات وبالسائرين بينها، مزدحمٌ بأفكار (هناكل إيه النهاردة)، (يا ترى هعدي السنة دي!)، (الفلوس هتكفي آخر الشهر)، مزدحمٌ بمزامير السيارات، والأجساد المُتخانقة مُتداخلة بالطريق الصغير و(كتفك يا عروسة) التي تكررت على مسمعي نحو المئةِ مرة، شعرتُ لوهلةٍ من شدة الازدحام، والحرارة أنني أُستــنّــفــذ، وأنّ لحظةَ أخرى وسط هذه الأجواء، وسينهار جسدي على جانب هذا الطريق، ولكن سرت بجسدي هذه القشعريرة، عندما لمست يدٌ غريبةٌ طرف بنطالي، اللعنة! أهو متحرش؟! جهزت دفتر السبِّ والقذفِّ لأسيل به على وجه المرتكب، ولكنني وما إن التفت ما وجدت سوى هذه الصغيرة التي ظل طرف يدها متمسكًا ببنطالي، وسألت (وينه هاد بتاع الطعمية؟!)، للحظةٍ تاه عني الكلام، وأثناء إزالتي لطرف يدها المُعلق بي دار في خيالي سيناريوهاتٍ عن أنها جزءٌ من جريمة اختطافي، ربما تلهوني بسؤالها الغريب، ولهجتها الغير مصرية عن أفراد العصابة التي ستكممني الآن وتخطفني! أبعدتُ يدها، ورددت بارتباكٍ أن لا أعرف، وأسرعتُ إلى الأمام، وتركتها تقف وسط الجموع، وأبصرتها، نعم أبصرتها! تحمل كيسًا بلاستيكيًا مربوطًا على جُنيهين من الورق، وخمسين قرشًا من الفضة، وتتوارى بداخل ثوبًا قصيرًا بنيًا، وشعرها مجدولٌ مربوط، وتسيل على عينيها خصلاتٌ فرّت من الربطة، وقدميها شديدتيّ البياض كلؤلؤتين ملفوفتين في خُفٍ صغير، ولها عينان تائهتان في الزحامِ أمامها، ورُغم ذلك لا تزالان مُضطربتان، وكأنهما من عالمٍ مختلف، عالمٌ جميلٌ عهدته وحدها، ونُزعت عنه بالقوة.

ظلت عينيها الصغيرتين تائهتين في ما أمامها من اتساع، وما عليه من زحام، لا ترى أحدًا، ولا يراها أحدًا، كانت تنظر إليهم وكأنها تستنجدُ بهم بلغةٍ خاصةٍ، لغةٍ لا يسمعها سواها، وجهتُ بصري إلى مرماها، فأدركتُ الآن وجود مطعمٍ على الجهةِ المُقابلة، وجهتها المنشودة، وللآن حقًا لا أدري، لماذا سألت أين؟ وهي تعرف! أأدركت أن عبور الشارع طلبٌ مبالغٌ فيه؟! فاستجدت عطفي بأن أفهم ما أرادته توريةً؟!

اقتربت منها، وأشرت للجهة المقابلة، ” إنه هناك! أأعبرُ بكِ؟! “

تهللت أي نعم، وتشبثت بطرف أصابعي بقوة، للحقِ أخاف عبور الشارع، تبدو السياراتُ قذائف، وإني وإن فضّلت الموت، فلن يكون على قارعةِ طريق، ولكنني تشجعت قليلًا، فسأعبر على أي حال، وما إن تسللنا معًا من بين الزحام، والسيارات، والأوجه الفارغة التي لا تُراعي أحدًا، واقتربتُ بها من وُجهتها المُرادة، ما إن هجرت يدايّ، وانطلقت إلى حالها، ومضيتُ في طريقي، وغضضتُ بصري عنها، ولم أُعده مجددًا، وما إن تحسست اقترابي من البيت، تداركتُ نفسي، إنها على جهةٍ مُعاكسةٍ للبيت! أستعودُ إلى بيتها؟! كيف ستخوض ذلك بمفردها؟! ولكنني تناسيت، فبالطبع سيعبر بها شخصٌ ما هذا الشارع الواسع! ولكن هذا الشخص ليس أنا.