سارتر، والمآزق الأخلاقية

عاصر سارتر الفِكر الكلاسيكي الذي يفرض اتباعيةً لما رآه اليونان والرومان، حيثُ قيودًا على الأدب، وحيث يُستنار الإنسان بقيم الحق، الخير، الجمال..



حديثةُ العهد بالأدب الوجودي، ويومًا عن يومٍ بداخله أغرق.

جان بول سارتر فيلسوفٌ فرنسيٌّ مُعاصر، وهو مؤسس المذهب الوجودي.

يعجُ الأدب المسرحي لـ سارتر بالكثير من أفكاره الوجودية التي قد تكون غريبةً بعض الشيء، ولكن فضلًا عن هذه الأفكار فما يُثير الاهتمام حقًا هي تلك (المآزق الأخلاقية) التي ما ينفكُ يفرضها على شخصياته، مأزقٌ لا يُمكنك أن تحكم بالسلبِ أو الإيجاب، فإن فعل أصاب، وإن لم يفعل أيضًا أصاب، إنه يخلقُ موجةً من الأحداث وصولًا إلى هذا المأزق الذي يفرض عليك المشاركة، أفعلهُ صواب، كلا، كلا، يبدو مُنافيًا للمنطق، أسأفعل إن كنتُ مكانه؟ وهكذا تُشكّل رأيًا رُغمًا عنك يُمثل رؤيتك، وأفكارك، أو ربما يُعارضها.

“موتى بلا قبور – مسرح –  يجدُ ثلاثةٌ من جنود المقاومة الفرنسية أنفسهم في مأزقٍ حين يُلقى القبض عليهم من مليشيات ألمانية قُبيل الحرب العالمية الثانية، ويتم تعذيبهم فردًا تلو الآخر لإدلاء بمعلوماتٍ عن قائدهم، ويخرُّ رابعهم ذُعرًا وينهار مُفصحًا بأنه سيعترف، فلا يجدوا من أنفسهم إلا مُرغمين على قتله، قتلُ رفيقهم لإنقاذ كتيبةٍ كاملةٍ من الجنود وقائدهم.”

رُغم أنها تُناقش أكثر من شطرٍ من الأفكار، البطولة، والرياء، كيف ينسلُ ألمُ الجسد إلى ثنايا الروح، فيُسوّدها، ولا تألف بعدها إلا أشباهها، والكبرياء الكاذب، وأن تُبرر القتل. ولكن هذا المأزق الذي فُرض عليهم قهرًا، القتلُ جريمةٌ لا مناص منها، ولكن أيُّهم أشدُّ وطأةٍ، الروحُ أم الأرواح، وأيُّهم أخف وطأةٍ، أن تُعذّب نفسك على ما اقترفته يداك، أم ما اقترفه غيرك.

ليس السؤال إن كان صائبًا ما فعلوه أم لا، بل السؤال هل سيسامح كلٌ منهم نفسه على دم رفيقهم؟! فـ هذا ما كان سيقضي كلٌ منه حياته مؤرقًا لهم إن همُ حييوا.

عاصر سارتر الفِكر الكلاسيكي الذي يفرض اتباعيةً لما رآه اليونان والرومان، حيثُ قيودًا على الأدب، وحيث يُستنار الإنسان بقيم الحق، الخير، الجمال. ولكنه قاسى ويلات الحروب التي تهدمُ ما هو أعتى من القِيم، إنها تهدمُ الإيمان بالإنسانية، حيثُ تتبدد مع دماء الضحايا، وصرخات المغتصَبات. هذه القيود، والقيم، التي ما انفك يهدمها، والعبثيات الوجودية التي ما انفك سارتر يُلقيها على صفحاته، وهذه الصُدف، والأحداث القاسية التي يُجبر شخصياته عليها، كجنديِّ سِيق إلى الحرب لا إيمانًا بالقضية، وإنما غصبًا من القادة، أن يموت محاربًا، أهون من أن يموت جبانًا، أوليس ميتًا في الحالتين؟!

تتسمُ هذه المآزق –آسفًا- بالموضوعية، والواقعية، ستظل تتحرك بداخلك الأسئلة التي تنتهي بـ نعم، بالطبع قد يحدث هذا، ولكنك تتمنى أن لا يحدث.

” الجدار – قصة قصيرة –  قُبيل الحرب، يُقاد أحدهم إلى السجن، ويُحكمُ عليه بالموت صباحًا، ويقضي ليلته لا يفصل بينه وبين الموت سوى جدار، ولكن قبل اعدامه بدقائق تنحني القصة منحنى آخر، حيث تطلب منه السلطات أن يفشي مكان اختباء رفيقٍ له، لكنه يرفض، ويمتنع.. وجزاءً ينزل به أشدّ العذاب، وقبل إقرار إعدامه، يُقرر أن يُمتّع نفسه بلحظاتٍ أخرى من الحياة، فيُخبرهم بمكانٍ خاطئٍ فمتى ذهبوا، ولم يجدوه، فـ عادوا ليُجهزوا عليه، فلربما حصلت المُعجزة. وبالفعل، حصلت، فالرفيق هناك، وقد أُعدم! ”  

خيانة غير مقصودة، كسؤالٍ عابرٍ ” أين هو؟! ” فتُجيب بآخر الأماكن التي قد يكون بها هناك، ولكنه يكون هناك!

لا يمكنك الجزم بأنه خائن، ولكنك أيضًا لا يمكن أن تجزم بأنه لم يخن، ولكن هذا غير مهم، فما يُهم حقًا هي تلك الإجابة التي ستستقر لها نفسه، الإجابة التي ستبقى داخل رأسه طوال حياته أو ما بقي منها يُرددها على نفسه دومًا، أهي ” قتلتُ صديقي ” أو ” لم يكن ذنبي، كان صدفةً ” ؟!

هذه المآزق فرضًا، لا تخص سوى صاحبها، تعيش في مكنوناتهم، ولا تفارق رأسهم طرقًا، ستحاول أن تُحللها على أساسٍ أخلاقيٍ، ولكن لا تُتعب نفسك، فالفعلُ الذي ستقومُ به، وحدك ستُحاسبُ عليه نفسك، فاختر أيًا ما يُخفف من الطَرقِ داخل صدرك.