ولئن صَدقتَ العَـزم

لا ندري قَطعًـا كيف السبيلُ لكُلِ هذا الوَهـن. و إنما نختلس لحظاتٍ من الحيـاةِ علّها تَحملُ لنا نجـاةً أو تمحوا عنّا بعضَ ما اقترفنا من وهن!



أي بُني..
أحزنتني مُلامِحك اليوم تلك على غير ما اعتدنا سويًا، فأين أنا وأنت الليلة مما قطعناه عهـدًا على أرواحنا وميثاقًـا عقدناه يومًا بيننا وبين السامية والتحرر بعدَ حينٍ من الدَهرِ يا صديقي، ألا نستسلم لضعفنـا أو أن نأمـن لهوىً من أنفُسـنا، أوليست الحياةُ هكذا!
أوليست الأقدارُ تَحـومُ بين أرواحنا الرقراقة تُعجِز أبداننا عن المقاومـة أو الحركة، وتُعدِم مشاعرنا بالكُلية وتُكبِّلُ ألسنتنا عن الصرخة والألم أو حتى عن البوحِ بكلتيهما، فمـاذا عساك اليـومَ يا صغيـري؟
مالـي أراكَ مُتعبًـا مُهتَـرئ، وقد تناسيت ظُلمـة الطريق ووحشَتِه، ورضيـت وقد أسلمت بهيمنة القَدرِ عليـك، أراك وقد كففت تمامًـا عن السعـي هنـا أو هنـاك كي تبحث عن ذاتـِك يومًـا وإنسانيتك، وعن مُـراد اللَّهِ فيـك وفيمن حولـك، أوليس للإنسـانِ إلا ما سعـىٰ! وأنَّ سَعيـهُ سَـوف يُـرىٰ، فلماذا كَرَّمـك اللَّهُ وأكرمــك وآواك وأيَّدك، بعدما جعل لك عينين ولسانًـا وشفتين، وحمـلك في البـرِ والبَحـر ورزقـك من الطيبات وفضَّلك على العالـمين. أتظنَّن هـذا بالعَبـث؟ حاشاه!

أتـدري! مسكيـنٌ أنت يا رفيـق، أرى روحَـك الرقيقة وقد سُحقت بين جنبيك وتبدّلت رمـادًا اشتدت به الريـحُ في يومٍ عاصـف، طرحـتك الأمواجُ أرضًـا وتكالبـت عليك الأهـوالُ من حـولك حتى تبدّلت ملامحك وصرت أنت لا تدري حقًا من أنت، لا تُدرك الكثير عن نفسـك و وِجهتِـك، أرى جُـرحًا غائِـرًا تُخفيـه بداخِلـك عمن حولـك، ولست أنت بالطبيـب، ولا أنـا! ولا ندري قَطعًـا كيف السبيلُ لكُلِ هذا الوَهـن. و إنما نختلس لحظاتٍ من الحيـاةِ علّها تَحملُ لنا نجـاةً أو تمحوا عنّا بعضَ ما اقترفنا من وهن!

أتدري! روحَك حقًا طيبـةٌ صـادِقة، تتوسَّم الخيـر دومًـا وهي أيضًا بالحُـرةٌ الساعية، لكنهـا -وقـد توالت عليهـا الصفعاتُ والضرباتُ – أصبحت لا تقوى على تَحمُّل المزيـد من كل هـذا العَبـث، فقد وُضِعـت تحت تصرُّف القَـدر وأدركـت يقينًـا أن المعـركة لا تُحسـمُ هكـذا، إنـما فقط بانقطاع الأنفـاس وتوقُّف الحيـاة بالكُليةِ عن العمـل، مليئـةٌ هي بالصولاتِ والجولات، تحمِل بين طيَّاتها شيئًا من الخُذلان والنـدم، حتى أدركـتَ بنفسك انعـدام أن تَخـرُج مُنتصرًا دون فَقـدٍ أو ألم. كل ما عليـك أن تؤمـِن أبـدًا ودومًـا بِخسـارتِك، وأن تتقبَّل هزيمَـتك شِئتَ اليوم أم أبيـت وأن تضعـها دومًـا بالحُـسبان!

أعلـمُ بحَالِـك وهيئتِك وكيف أن الطريقَ وَعِـرةٌ مُوحِشة، مزقتك بين جنبيها، فلا أنت تأمَنُ فيهـا مَكـر اللَّه ولا بنو البَشـرِ من حَولِـك، فكثيرًا ما استهانوا بإنسانيتك ودنَّسـوا هويّتك وأزالـوا معالِم الطريق مِن حولِـك حتى صرت أنت – كما أرادوك- تائهًا حائرا، صوروا لك أن تكـون مُجرَّدًا مَسخًـا فهـذا من الأكرمـين، وأن تكون حرًا ساعيًا آملًا فهـذا من الأسفليـن!

أُوصيـك مُجـددًا وأخيرًا قبل أن أرحـلَ عنـك وأتركك وَحيدًا تتعثـر، فباللَّـهِ تَحـمَّل مشقَّة السيـرِ وعنـاءَ الطريق ما استطعت يا رفيق، فلا تُكلفن نفسك ما يزيدُ عن وُسعها، والتقطن أنفاسَـك بين حينٍ وحين فإنما.. يُكـرَمُ المَـرء بقدر سعيـه وعمـله واستطاعته، استمسكنَّ بحبلِ اللَّه ما استطعت، ففيه نجـاتُك وفلاحُـك ما حييت، لا تلتفتن كثيرًا على ما فاتـك من الدنيـا بزينتها وتقبّل خسـارتك اليوم أمام نفسك بصدرٍ رَحِب، اعتنِ بنفسِـكَ جيدًا واحفظ عليك آدميّتك وكرامتك وإنسانيتك، ولا تنظُرنَّ لماضيك من ورائِك فإن في موتِ ماضيـك حياة، ثم اصدُق العَـزمَ وتوكَّـل فلئن صَـدقتَ العَـزمَ لوجدت السبيـل، والسـلام!