المـوت يُـوجِع الأحيـاء

فلترقد روحك في سلامٍ أبديّ، روحك التي قُدِّرَ لها ألا تُفارِق الدنيا أبدًا وإن فارقها الجسد!



لا أدري سبب عدم تقبلي للخبر على وجه التحديد، إلا أنه كان صادمًا بحق، ربما لكون الأديب الذي يقطن رفوف مكتبتك، يبدو رجلًا خارقا للطبيعة، لا يمسه الموت، فما بالك بهذا الذي شاركك الحياة منذُ ربيعها القديم، ما بالك بهذا الذي شاركك طفولتك ومراهقتك وسنين شبابك المتعثر منها والمستقر؟
ما بالك بـ أحمد خالد توفيق؟
من “ما وراء الطبيعة” إلى “سفاري” إلى “الآن نفتح الصندوق” إلى “قوس قزح” إلى “شاي بالنعناع” و ..
سلسلة لا تنتهي من الأعمال والنصوص التي عاشت في عقول أجيال عدة، خُطَّت على يد هذا الرجل الذي فارقنا البارحة.
الأديب ليس بحاجةٍ إلى سرد السطور للحديث عن خفة ظله أو أخلاقه الرفيعة، أو كيف كان أبا مثاليا، إنما فقط اترك كتاباته تتحدث عن طهارة تلك الحياة التي خلقها لتخفف عنك وعني عناء هذا الواقع المرير ساعة، السعيد ساعةً أخرى، اترك كتاباته تحكي لك في كل حرف، أنك “لست وحدك” وأن هناك من يعي معاناتك هذه وتلك، بل ويشاركك إياها أيضا، وأن ما أضحكك يوما لم يُضحكك وحدك، إنما هو معك، معك دائما ..

“فى حياة كل إنسان لحظة لا تعود الحياة بعدها كما كانت قبلها”
“وشعرت بأن في روحي ثُقبًا
ثقبا يتسع ويمتص كل ذكرياتي وحياتي وأحلامي
وددت لو كان شخص أعرفه بقربي
أحكي له كل شيء
أقص له الحكايه
حكايه الثقب”
“فقط للماضي ميزة واحدة هي أنه صار ماضيًا لهذا نشعر بالحنين له، بينما الحاضر موجود في كل مكان و في كل لحظة لهذا نزهده..”
“لم يبق أمامي سوى اللجوء لأقدم تسلية عرفها الإنسان منذ اختراع القراءة : القراءة .. كتاب دسم ممتع في الفراش على ضوء الأباجورة الدافيء .. كوب من الشيكولاتة الساخنة كذلك كأنها نخاع مذاب يتسرب إلى عظامي ..
أن الحياة جميلة .. متع بسيطة كهذه تجعلها جميلة ”
“يمكن أن يتحمل المرء الحياة بلا مأوى..
بلا مأكل..
بلا مشرب(ربما بضعة أيام)..
بلا ثياب..
بلا سقف..
لا حبيبة..
بلا كرامة..
بلا أسرة(باستثناء صفية)..
بلا ثلاجة..
بلا جهاز هاتف..
بلا جهاز تلفزيون..
بلا ربطة عنق..
بلا أصدقاء..
بلا حذاء..
بلا سروايل..
بلا فلوجستين..
بلا أقراص للصداع..
بلا مؤشر ليرز..
لكنه لا يتحمل الحياة بلا أحلام..
مُنذ طفولتي لم أجرب الحياة بلا أحلام..
أن تنتظر شيئًا..أن تُحرم من شيء..أن تُغلِق عينيك ليلاً وأن تأمل في شيء..أن تتلقى وعداً بشيء..
فقط فى سن العشرين أدركت الحقيقة القاسية، وهي أن عليّ أن أحيا بلا أحلام..”

فلترقد روحك في سلامٍ أبديّ، روحك التي قُدِّرَ لها ألا تُفارِق الدنيا أبدًا وإن فارقها الجسد، فلازلنا سنستيقظ كل صباح، نمد أيدينا المُرتعشة إلى الرفوف، نلتقط كُتبًا عليها اسمك، ونشرع في الغرق، إلا أنه من اليوم فصاعدًا، ربما نغرق في بِضع دمعات سكبناها على هذا الفراق ..
“الموت لا يُوجِع الموتى، الموت يوجع الأحياء.”