الاكتئاب، والبُعد عن الله

شيستر كان المغني الرئيسي لفرقة (لينكينج بارك) والذي أقدم على الإنتحار في يوليو 2017 شنقًا، مع تاريخ طويل من محاربة إدمان المخدرات والكحوليات، والتي انتهت بمرضٍ نفسيٍ..



مُؤخرًا، نشرت إحدى المواقع صورةً للمغني الأمريكي المُنتحر (شيستر بينينغتون) مع عائلته مُبتسمًا، سعيدًا -ظاهريًا- وسط أولاده قبل انتحاره بـ 36 ساعة. شيستر كان المغني الرئيسي لفرقة (لينكينج بارك) والذي أقدم على الإنتحار في يوليو 2017 شنقًا، مع تاريخ طويل من محاربة إدمان المخدرات والكحوليات، والتي انتهت بمرضٍ نفسيٍ.
بعيدًا عن هذا، ما أثارني حقًا، هو تعليقاتُ المُجتمع العربي على مثل هذه القصة، والتي أغلبها يتضمن:
–       البُعد عن الله.
–       لأنه كافر.
–       فيما معناه ” لقد وصل لمُنتهى لذة الحياة، غنى، شُهرة، نساء، ولهذا لجأ للموت..؟!”
كانت هذه تقريبًا أغلبُ التعليقات على هذه الحادثة، زهوٌ بالذات لأنها مؤمنة، إيمانًا كاملًا –كما تزعم- زهوٌ بالذات لأنها قاست ما هو أعتى، ولكنها مازالت حية، وتساؤلاتٌ جدّيةٌ بخصوص (حقًا، يملكُ كل شيء، لماذا ينتحر؟!) ورُغم أن كل إنسان له جانبٌ من الحكايا يخفى حتى عن المُحيطين، والمتابعين، جانبٌ مندسٌ في خبايا الروح، يظلُ موجودًا مهما حاولت قتله، كانت التعليقات سخيفة، مُقللة من شأن النفس، وما يُصيبها من عطوب.
” كل 40 ثانية، يُقدم شخصٌ ما على الانتحار، 50 % منهم بسبب الاكتئاب” كما صرّحت منظمة الصحة العالمية.
عادةً ما يتم الخلط بين الاكتئاب والشعور بالاكتئاب، يُقاسي الجميعُ موجاتً من الحزن طويلة المدى، خاصةً في جيلنا، والتي ترتبط بصعوباتٍ في الدراسة، خلافات، أو حتى يومٌ مزدحمٌ قد يثير في نفسك الضيق، سرعان ما تنقضي بانقضاء المُسبب، أما الاكتئاب فهو مرضٌ عضال يُفاجئك بلا سببٍ، ويتركك في كومةٍ كبيرةٍ من الأحزان التي تدوم طويلًا لأسبوعين..شهرين.. أو حتى سنوات، ورغمًا عنك، يبهتُ في عينيك ما اعتاد أن يلمع، ترى نفسك قليلًا، عارًا، لا يحقُ لك أن تُوجد، يُصيبك العجز والخوار عن قيامك بمهامك الحياتية العادية، كأن تستحم، أو تأكل مثلًا، يكونُ كل شيءٍ ثقيلًا، وفارغًا.
” وعندما كان عليّ تناول الغداء، كنت أفكر، يجب أن أُخرج الطعام، وأضعه على طبق، وأقطعه، وأمضغه، وأبلعه، كانت هذه الكثير من المحطات لأسلكها! ” أندرو سليمان – مريض اكتئاب في حديثٍ له في TED.
إنّ الاكتئاب لا تصاحبه تغيراتٌ في السلوك، والمظهر فقط، وإنما تصاحبه تغيراتٌ فسيولوجية دقيقة جدًا، ورغم قلة حيلة العلم في معرفة السبب، فـ فسيولوجيًا، عند الاكتئاب، تبدأ مناطقٌ معينةٌ في الدماغ بالتضاؤل مثل الحصين ( Hippocampus ) والفص الجبهي (Frontal lobe)، ونضوب الناقلات العصبية مثل الدوبامين، والسيرتونين، وهما المسئولان عمليًا عن إحساسك بالسعادة، وإن كنت لا تدرك أهميتهما، فأخبرك أن زيادتهما تؤدي إلى الإدمان، إذا كنت تظن أن الإدمان، بكل ما يسببه من انحرافاتٍ سلوكيةٍ، وجسديةٍ شيءٌ خطير، فإن نقصهما في الاكتئاب يُسبب ما هو أقسى، ولكن بداخل ذواتِ الشخوصِ فقط.
وعلى العكس، في قرننا الـ 21، وتقدم العالم، وانتشار وسائل المعرفة، إلا أنّ ثقافة المرض النفسي مازالت مُشوهة، تندرج تحت بند ( دلع ماسخ )، لا أدري إن كان الانفتاح سببًا في ذلك بدلًا من التوعية بذلك، الاكتئاب أصبح نكتةَ ذات صدى وسط الأصدقاء، أجزم أن لديك اثنين، أو ثلاثة من الأصدقاء، أو ربما أنت نفسك تردد دومًا صباحًا، ومساءً، وعلى السوشيال ميديا بأنكم (مكتئبين) يبدو هذا وكأنّه موضة، موضةً على أثرها وُضع عبئًا على الطبيب النفسي ليُفرق بين ما هو اكتئابٌ حقيقي يحتاج إلى تدخل العلاج، وجلسات الدعم، وما هو أزمة جيل الشباب، والتي يتلخّصُ علاجها في (أتغطى، ونام يا حبيبي)، ولكن العلاج الذي يحظى به الجميع الآن هو (صلي، وأقرأ الأذكار) أو ( تقرَّب إلى الله )، يتقربُ إلى الله؟ أولم يأمرنا الله بالتداوي؟!
سيبدو هذا غريبًا الآن، أن تُخبر أحدهم الذي يعطب جزءٌ من جسده حرفيًا، بأن يُصلي فيُعافيه ذلك، الأمرُ كأن تنصح مريض الفشل الكلوي، أو التليف الكبدي، أن يُصلي، وسيُشفى جسده من تلقاء نفسه، نعم، سيُساعده هذا، فسوف يموت مرتاح البال، ولكن مريض الاكتئاب سيموت خاسرًا كليهما، وكأن ذنبه أن العطب قد أصاب دماغه، ولم يصب كليته.
رُغم كل هذا، يظل مرض الاكتئاب حدثًا جللًا في حياة الشخص، وكل ادعاء يجب أن يُؤخذ على محمل الجدّ، وصولًا للتشخيص المناسب؛ فالاكتئاب يُوقف حياة الأفراد، إنه لا يتعلق بكون الشخص ضعيفًا أو مُتخاذلًا، إنه مرضٌ كغيره، ويجب أن يُعامل بهذه الطريقة، ومثل كل الأمراض، وخاصةً النفسية منها، الدعم، وتقديم العون، وتَقبُّل الذات، هما الخطوة الأولى التي تحفز المريض على السعي في طريق التعافي، والعودة إلى حياته.