عبقرينو مكنش خواف

ربما لأننا تعرضنا فجأة لحالة الإدراك الصادم بأن هناك سنوات ضوئية بيننا وبين العبقرية تلك، فنحن نعاني الجهل والتخلف والاحتياج لأبسط سبل العيش فكيف لنا أن نبدع أو نفكر في تلك الأشياء!



العبقرية ..تلك الغاية التي طالما تمناها الكثيرون ولم ينالوها، هل هي هبه من عند الله خص بها البعض؟ أم هي شيء يمكن اكتسابه؟ هل الغباء عدوة؟ كيف كانت حياة العباقرة؟ هل الفقر والحاجه مبرر لعدم الإبداع؟ وما الفرق بين تفكير الإنسان العادي وتفكير الإنسان العبقري؟
سئل “أينشتاين” عن الفرق بينه وبين الإنسان العادي، فكانت إجابته “إذا طلبت من الإنسان العادي أن يبحث عن إبرة في كومة قش، فإنه بمجرد أن يجدها سوف يتوقف عن البحث، أما أنا فسوف أستمر بحثا عن احتمال وجود إبر أخرى”. أعتقد أن ما يقصده أينشتاين في كلامه هذا أن الإنسان العبقري يفكر فيما بعد الحل ويتوقع وجود المزيد ويبحث عن البدائل لحل المشكلات، لا يفكر بشكل روتيني متكرر ولا يأخذ بالمسلمات. الملحوظ هنا أن تلك الطريقة في التفكير تبعد تمام البعد عن النهج الذي نسلكه سواء في تعليم وتدريس الأبناء في المدارس أو حتى في تربيتهم داخل المنزل، فأسئلة الامتحان وإجابته لن تخرج عن الكتاب المدرسي، ولابد أن تلتحق بالثانوية العامة وتحقق النسبة المطلوبة للالتحاق بتلك القمة ومنها تهوى لنفس الوظيفة التي التحق بها والدك وجدك الأكبر وأبناء عمومتك وسائر “الناجحين” وهذا هو مفهوم النجاح المتوارث، لن يتركوا لك الفرصة للبحث عن حلولك الخاصة وتخيل أحلامك الفريدة، وحتى لو تركوها لك أكاد أجزم أنها ستكون تقليدية لأن المحيط حولنا جميعه مكرر ولن تسلم من نقد الآخرين اللاذع طوال فترة اختلافك حتي عودتك محبطا لصف المكررين.
بغض النظر عن تعليقي الدرامي المكرر على كلام “أينشتاين” والذي يبتعد تمام البعد عن العبقرية.

“ديفيد بوم” الفيلسوف وعالم الفيزياء اعتقد أن قدرة العباقرة على التفكير في خواطر وأفكار مختلفة، ترجع إلى قدرتهم على تقبل التناقض بين الأشياء الغير متوافقة والتضارب بين الموضوعات المتعارضة، وجاء العالم “بور” مؤكدا على أن توفيق الأضداد يؤدي لخلق ظروف ملائمة تسمح بظهور وجهة نظر جديدة، ولقد قادت قدرة “بور” على تخيل الضوء على أنه جسيم وموجة معا إلى توصله لمبدأ التكاملية. “أرسطو” اعتبر المجاز – إدراك أوجه التشابه بين ناحيتين منفصلتين – إحدى علامات العبقرية، وجاء “جراهام بل” مؤكدا على كلامه حيث انه عندما لاحظ وجه التشابه بين عمل الأذن الداخلية وحركة غشاء متين ينقل صوت صلب، توصل لاختراع التليفون. “ب.ف.سكينر” مؤسس مباديء المنهجية العلمية التي تقول “عندما تجد شيئا مثيرا للاهتمام، دع كل شيء آخر وادرسه” فالعديد من الناس يتركون تلك الفرص التي تطرق أبوابهم لانشغالهم بتنفيذ مخططات ما متصورة مسبقا، أما العباقرة المبدعون فلا ينتظرون قدوم الصدفة، بل يسعون بفاعلية وراء الاكتشاف التصادفي أينما وجدوه.
تطرقت لهذا الموضوع لأني اعتقد أنه كان يشغل تفكيرنا خاصة في الصغر، ولكن لفترة تجنبنا التفكير فيه حتى، ربما لأننا تعرضنا فجأة لحالة الإدراك الصادم بأن هناك سنوات ضوئية بيننا وبين العبقرية تلك، فنحن نعاني الجهل والتخلف والاحتياج لأبسط سبل العيش فكيف لنا أن نبدع أو نفكر في تلك الأشياء! ولكن بالنظر إلى تاريخ العلماء أو الأنبياء أو أي شخص أبدع أو حمل رسالة وأضاف شيء للبشرية، نجده كان يعاني أيما معاناة، فالناس أعداء ما يجهلون، “جاليليو” تم تكفيره، “باستير” اتهموه بالجنون، “أينشتاين” كان فاشلا دراسيا وهاجموه بعد إعلان نظريته النسبية التي غيرت مسار العالم، وحتى الأنبياء حوربوا واضطهدوا وأوذوا وأخرجوا من ديارهم، ولكن أجد عاملا مشتركا بين كل هؤلاء وهو “الشجاعة” التي كانت تدعم إصرارهم، لم يخشى أحدهم التجربة ولا الاختلاف والخروج للعالم بما لديهم من جديد، لم يخشوا الفشل ولا حتى الموت في سبيل ما يؤمنون به، واخيرا.. اتفق تماما مع تلك العبارة الذهبية التي قالها العبقري الدكتور أحمد زويل رحمه الله “لا يمكن أن يبدع الخائفون”.

مصادر/
كتاب “كيف تصبح مفكرا مبدعا” لمايكل ميكالكو
“قوة عقلك الباطن” لجوزيف ميرفي